الوهم الذي يُمرض الجسد.. العلم يكشف تأثير العقل على صحتك
في مشهد يعكس صراعا داخليا بين المعرفة والخوف، تروي كاتبة علمية تجربتها الشخصية مع مرض السرطان.
ووقفت عالمة الأعصاب والكاتبة العلمية هيلين بيلتشر، مترددة أمام زر البحث لمعرفة "التشخيص المستقبلي"، قبل أن تقودها رحلتها إلى اكتشاف ظاهرة علمية مثيرة تُعرف باسم "تأثير النوسيبو"، والتي تكشف كيف يمكن للتوقعات السلبية أن تؤثر فعليا في صحة الإنسان.

القصة تبدأ بعد خضوع الكاتبة لجراحة لاستئصال الورم عام 2020، حيث وجدت نفسها، رغم خلفيتها العلمية في علم الأعصاب، عاجزة عن طرح السؤال الأهم: ما هو مصير المرض؟ هذا التردد لم يكن ضعفا، بل انعكاسا لخوف عميق من أن تتحول المعرفة نفسها إلى عبء نفسي وجسدي.
وتستعيد الكاتبة واقعة صادمة نقلها الطبيب الأمريكي كليفتون ميدور، عن مريض أُبلغ خطأً بأنه مصاب بسرطان مميت ولم يتبق له سوى أشهر قليلة، ليتوفى بالفعل في تلك المدة، قبل أن تكشف نتائج التشريح أنه لم يكن مصابا بالمرض من الأساس. هذه الحادثة تُعد مثالًا صارخًا على «تأثير النوسيبو»، حيث تؤدي التوقعات السلبية إلى نتائج صحية حقيقية.
وعلى عكس تأثير البلاسيبو، الذي يجعل المريض يتحسن بفعل توقعات إيجابية، يعمل «النوسيبو» كوجهه المظلم، إذ يمكن أن يسبب أعراضًا مثل الألم والغثيان وحتى نوبات مرضية، دون وجود سبب عضوي واضح. وتشير أبحاث إلى أن بعض المرضى قد يعانون من آثار جانبية لأدوية لم يتناولوها أصلًا، فقط لأنهم توقعوا حدوثها.
الدراسات الحديثة تعزز هذا الفهم، حيث أظهرت أبحاث قادتها إيلين لانجر، أن المعتقدات يمكن أن تؤثر في وظائف الجسم. ففي تجربة لمرضى السكري من النوع الثاني، ارتفعت مستويات السكر في الدم لديهم بناءً على ما اعتقدوا أنه محتوى المشروب من السكر، رغم أن المشروبات كانت متطابقة.
كما تشير دراسات طويلة الأمد، مثل دراسة بالتيمور الطولية للشيخوخة ، إلى أن الأشخاص الذين يحملون تصورات سلبية عن الشيخوخة يكونون أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب، بل وقد يعيشون سنوات أقل مقارنة بمن يمتلكون نظرة إيجابية.

ورغم هذه النتائج، يحذر العلماء من سوء تفسيرها. فالتفكير السلبي لا يسبب السرطان، كما أن التفكير الإيجابي وحده لا يعالجه، لكن الأبحاث، ومنها أعمال الباحثة "آسيا رولز"، تشير إلى وجود تواصل معقد بين الدماغ والجهاز المناعي، قد يؤثر في تطور الأمراض واستجابة الجسم للعلاج.
وتخلص القصة إلى رسالة متوازنة، وهي أن المعرفة مهمة، لكن طريقة تعاملنا معها لا تقل أهمية. فبين تجاهل الخوف والانغماس فيه، يبقى الأمل في تبني نظرة تساعد على التعايش مع المرض دون أن تتحول التوقعات إلى عامل إضافي يفاقم المعاناة.