فصائل عراقية تفك ارتباطها بـ«الحشد».. مناورة إيرانية أم رضوخ للضغوط الأمريكية؟
فصائل عراقية تعلن فك ارتباطها بمليشيات موالية لطهران في مسار يفجر جدلا بشأن ما إن كانت الخطوة مناورة إيرانية أم رضوخا للضغوط الأمريكية.
ولاقت تحركات حكومية عراقية لحصر السلاح بيد الدولة تأييد عدد من الفصائل المسلحة، معلنة فك ارتباطها بـ«الحشد الشعبي» وسط ضغوط أمريكية متزايدة على الجماعات المرتبطة بإيران وتغيرات إقليمية تدفع بالعديد من الأطراف إلى إعادة ترتيب أدواتها.
ويؤكد خبير عراقي، في حديث لـ«العين الإخبارية»، أن «وجود تنظيمات مسلحة تمتلك أسلحة ثقيلة وصواريخ وقدرات عسكرية مستقلة يتعارض مع الدستور العراقي»، لافتا إلى أن «إيران ذهبت باتجاه تعزيز هذه الفصائل ودعمها عسكرياً ولوجستياً، فضلاً عن إشراك بعضها في صراعات إقليمية متعددة، وهو ما يجب أن ينتهي».
وأوضح أن «التحدي الأساسي يتمثل في كيفية فرض سلطة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، مع تجنب الانزلاق إلى صدام داخلي واسع».

تعهدات حكومية
وتعهد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بآلية تنفيذية للشروع في حصر السلاح بيد الدولة، مؤكدا أن عملية تسليم أسلحة الفصائل المسلحة ستبدأ خلال الأيام المقبلة في إطار خطة حكومية تستهدف تعزيز هيبة الدولة وترسيخ الاستقرار الأمني في البلاد.
وأوضح أن جهود حصر السلاح لا تقتصر على الفصائل المسلحة فحسب، بل تمتد أيضاً إلى أسلحة العشائر، ضمن مساع شاملة لإخضاع جميع الأسلحة لسلطة الدولة.
الصدر يطلق المسار
ونهاية مايو/أيار، أعلن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر فك ارتباط "سرايا السلام" وإلحاقها بمؤسسات الدولة، مع تحويل تشكيلاتها المدنية إلى مؤسسات رسمية من دون سلاح أو مقرات أو عناوين تنظيمية، داعيا بقية الفصائل للتخلي عن ارتباطاتها الحزبية والانضواء الكامل تحت سلطة الدولة.
والثلاثاء، أعلنت فصائل عراقية مسلحة، من بينها "كتائب الإمام علي" و"عصائب أهل الحق"، الشروع في تنفيذ إجراءات فك الارتباط بتشكيلات "الحشد الشعبي" وحصر السلاح بيد الدولة.
وجاءت هذه الخطوات بعد اجتماع "الإطار التنسيقي" الإثنين، بحضور الزيدي، حيث أعلن قادة الإطار تأييدهم مشروع حصر السلاح بيد الدولة وفك الارتباط بين "هيئة الحشد الشعبي" و"الأطر السياسية والحزبية والاجتماعية".
توافق سياسي
ويؤكد مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، غازي فيصل، أن «حصر السلاح بيد الدولة يمثل جزءاً من البرنامج الحكومي الذي أقره مجلس النواب وكذلك مطلبا أمريكيا بالحد من نفوذ الجماعات المسلحة المقربة من إيران، وهو هدف يتطلب وقتا وإجراءات متدرجة قد تمتد لأشهر أو سنوات، كما أن نجاحه يرتبط بوجود توافق سياسي واسع وإرادة وطنية حقيقية».
وأوضح أن «التحدي الأساسي يتمثل في كيفية فرض سلطة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، مع تجنب الانزلاق إلى صدام داخلي واسع. فهناك فصائل استجابت أو تبدي استعداداً للاستجابة لذلك، بينما توجد فصائل أخرى لا تعترف عملياً بسلطة الدولة أو أولويتها على مرجعياتها السياسية والعقائدية».
ورغم هذه التعقيدات، يرى فيصل أن البداية تبدو ممكنة من خلال الفصائل الأكثر استعداداً للاندماج في مؤسسات الدولة أو تسليم سلاحها تدريجياً. كما أن القوى السياسية التي دعمت هذه الفصائل، ولا سيما بعض أطراف الإطار التنسيقي المشاركة في الحكومة والبرلمان، تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية في دعم جهود الدولة لإنهاء ظاهرة السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية.
ويوجد «ما يقارب من 74 فصيلا مسلحا في العراق، ظهرت أو توسعت بعد اجتياح تنظيم داعش الإرهابي لمدينة الموصل عام 2014 واحتلاله أجزاء واسعة من الأراضي العراقية. وكان من المفترض، بعد تحقيق النصر على داعش، أن تقوم السلطات المختصة بحل هذه الفصائل وإعادة عناصرها إلى المجتمع أو دمج المؤهلين منهم ضمن المؤسسات الرسمية».
إلا أن «إيران ذهبت باتجاه تعزيز هذه الفصائل ودعمها عسكرياً ولوجستياً، من خلال إنشاء قواعد ومراكز تدريب، وتطوير قدرات مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة والخفيفة، فضلاً عن إشراك بعضها في صراعات إقليمية متعددة، وهو ما يتعارض مع الدستور العراقي، ولا سيما المادة التاسعة التي تحظر تشكيل أي قوى مسلحة خارج إطار القوات المسلحة العراقية»، وفق فيصل.
وقد تحولت هذه الفصائل، من وجهة النظر الإيرانية، إلى «أداة رئيسية ضمن استراتيجية النفوذ الإيراني في العراق، سياسياً وأمنياً واقتصادياً وثقافياً، كما استُخدمت في ساحات إقليمية أخرى مثل سوريا ولبنان».
أما على المستوى الإقليمي، يشير مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية إلى أن مستقبل هذه الفصائل سيتأثر أيضاً بمستقبل العلاقات الإيرانية – الأمريكية، فحاليا هناك ضغوط كبيرة على بغداد لحل الفصائل، وإذا شهدت المنطقة تفاهمات سياسية أو اتفاقات جديدة، فقد ينعكس ذلك على حجم الدعم الإيراني لهذه التشكيلات ودورها الإقليمي. كما أن أي تحولات داخلية في إيران قد تؤثر بدورها على مستقبل هذه الفصائل التي تسعى إلى تقليل كلفة المواجهة المباشرة مع أمريكا.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن «ملف السلاح خارج الدولة يبقى أحد أبرز الاختبارات التي تواجه العراق في المرحلة المقبلة، وسيكون نجاح الحكومة في معالجته عاملاً حاسماً في تعزيز الاستقرار السياسي والأمني وترسيخ مفهوم الدولة الحديثة القائمة على احتكار القوة وتطبيق القانون على الجميع».