سياسة

زهرة المدائن عربية التاريخ والانتماء

الإثنين 2017.12.11 11:39 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 594قراءة
  • 0 تعليق
خالد رستم

تُعتبَر مدينة القدس أرض الأنبياء ومجمع الرسل، إنها زهرة المدائن التي ذكرتها الكتب السماوية وتعطرت على لسان الأنبياء والرسل، ولم تتعرض مدينة في الدنيا للاستعمار بقدر ما تعرضت هذه المدينة عبر تاريخها الطويل، حيث قدّمت آلافاً بل الملايين من الشهداء عبر تاريخها القديم والحديث.

وعروبة القدس ثابتة تاريخياً ودينياً وأثرياً منذ أكثر من ستة آلاف سنة، وينبع اهتمام المسلمين بها كونها مدينة المسجد الأقصى والحرم القدسي الشريف – قبة الصخرة – وقبلة المسلمين الأولى ومدينة الإسراء والمعراج، وهي أيضا بمثابة وديعة عند العرب والمسلمين .

بنقل السفارة يُظهر ترامب نفسه أنه تميّز عن باقي رؤساء أميركا السابقين قوةً وقدرةً باتخاذه لهذا القرار المجحف ليس بحق المقدسيين وحسب، بل بحق العالمين العربي والإسلامي، وسيؤدي قراره بطبيعة الحال إلى تسارع الأحداث وتصاعد حدتها داخل الوطن المحتل.

وقبل تأسيس إسرائيل بخمسين عاماً أعلن مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل، عزم الصهيونية على تدمير الأماكن الإسلامية والمسيحية في القدس وقال: إذا حصلنا يوماً على القدس وكنت ما أزال حياً وقادراً على القيام بأي شيء فسوف أزيل كل شيء ليس مقدساً لدى اليهود فيها وسوف أحرق الآثار التي مرت عليها قرون .

واليوم ما يجري على أرض القدس قرصنة إسرائيلية استيطانية اغتصابية منفلتة بلا كوابح تضبطها، أو روادع تردعها لتضع حداً لانفلاتها وعربدتها، ذلك يشكّل مفارقة مبرمجة تماماً لشتى أشكال الانتهاكات والجرائم بحق القدس وأهلها ومقدساتها.

وتنطلق تلك العمليات الإجرامية من أساسيات الاستراتيجية الصهيونية، ذلك ما أكده مناحيم بيغن بقوله: لا قيمة لإسرائيل بدون القدس، ولا قيمة للقدس بدون الهيكل, لقد حرصت كافة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على السير في هذه الاستراتيجية كبرنامج سياسي .

احتلت إسرائيل الشطر الغربي من المدينة بالقوة في أعقاب حرب عام 1948م، التي شنتها العصابات اليهودية وأعلنتها عاصمة لها عام 1949م، وأعلن الأردن عام 1960م الشطر الشرقي من القدس العاصمة الثانية للمملكة الأردنية.

وظل الفاتيكان يطالب بتدويل القدس تطبيقاً لقرار الأمم المتحدة رقم 181، إلى أن اعترف بإسرائيل، وقد احتلت الأخيرة الشطر الشرقي من القدس في السابع من يونيو عام 1967م، في حربها العدوانية وضمتها إليها عام 1980م، وأعلنتها عاصمتها الأبدية والموحدة، إلا أن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لا يعترف بالقدس كعاصمة لإسرائيل ويعتبر القدس الشرقية جزءاً من الأراضي الفلسطينية المحتلة ولا يعترف بضمها .

وتعود قضية نقل السفارة الأمريكية للقدس إلى عام 1995م عندما تبنى الكونغرس قراراً بنقل السفارة من تل أبيب إلى القدس إلا أن رؤساء الولايات المتحدة، جمهوريين وديمقراطيين، وقّعوا على قرار يُجدَّد كل ستة أشهر ويقضي بتأجيل نقل السفارة من أجل ما أسموه حماية المصالح القومية للولايات المتحدة .

بات ملف نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس من الملفات الهامة والخطيرة التي تؤثر على المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية المقبلة، وستؤدي إلى تجميدها وإنهائها، وستزيد بالتالي من تفاقم الأوضاع على امتداد الساحة الفلسطينية رغم أن كل المفاوضات التي كانت تجري مع الطرف الإسرائيلي تركز وبشكل غير قابل للنقاش على أن القدس عاصمة أبدية للدولة الفلسطينية، وقرار ترامب يمثل حدثاً تاريخياً خطيراً ومرفوضاً  من الجانب الفلسطيني، ومن العالمين العربي والإسلامي وكل الهيئات الدولية، وينبغي التحرك لإنقاذ المدينة من المخططات الجائرة وإفشال أي مخطط خارجي لصالح الكيان الصهيوني.

وبدوره قال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير واصل أبو يوسف إن منظمة التحرير أطلقت تحذيراً من مغبة التسرع في موضوع نقل السفارة، وترفض سياسة الابتزاز التي تنتهجها إدارة الرئيس ترامب للضغط على السلطة الفلسطينية لإجبارها على تغيير مواقفها السياسية، مستخدمة مواقف ابتزازية بدءاً من مسلسل التهديد بإغلاق مكتب المنظمة في واشنطن إلى موضوع نقل السفارة الأمريكية للقدس، كل هذه الضغوط تُظهر أن إدارة الرئيس ترامب لم تعد طرفاً نزيهاً،  ولن تعترف بها كوسيط محايد في مفاوضات الحل النهائي لقيادة المفاوضات السياسية المقبلة.

واستناداً إلى الوعد الذي قطعه دونالد ترامب في بداية حملته الانتخابية على نفسه بنقل سفارة بلاده إلى القدس كتعبير عن اعتراف الولايات المتحدة بالقدس الموحدة عاصمة لإسرائيل، ولم يكن ترامب أول رئيس أمريكي يتعهد بتلك الوعود بنقل السفارة إذ إن نقلها أصبح عُرفاً بين الرؤساء الأمريكيين بإطلاقهم تلك الوعود في حملاتهم الانتخابية لنيل أصوات الجالية اليهودية التي تشكل كتله لا يستهان بها ولوبياً ضاغطاً في واشنطن، وقراره الذي اتخذه يوم 6 ديسمبر 2017م بنقل سفارة بلاده إلى القدس واعترافه رسمياً بالقدس عاصمة أبدية لكيان الاحتلال قد يحدث تحولاً في مسار السياسة الأمريكية في التعامل مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ويحدث أيضاً ارتباكاً في حسابات القوى العالمية.

ومنذ عام 1995، صدر قانون أمريكي يقضي بنقل السفارة الأمريكية وهو ما يتماشى مع ما تستهدفه إسرائيل ورغم تمرير هذا القانون، إلا أن كلينتون وجورج دبليو بوش الجمهوريَيْن، وباراك أوباما الديمقراطي، اختاروا عدم تطبيق الخطوة، مستغلين صلاحياتهم الرئاسية التي تمكنهم من تأجيل تطبيق قانون معين كل ستة أشهر لأسباب تتعلق بالأمن القومي .

لكن الإدارات الأمريكية المتعاقبة، سواء الديمقراطية أم الجمهورية، قاومت مساعي إسرائيل وقرار مجلس الشيوخ لنقل السفارة والتزمت سياسة ترك مصير المدينة النهائي للمفاوضات بين الطرفين، وسبق أن وقع رؤساء الولايات المتحدة مذكرة تنازل عن تنفيذ القانون الصادر بشأن نقل السفارة منذ أكثر من عشرين عاماً تفادياً لإثارة غضب الفلسطينيين وغيرهم من القوى العربية الداعمة لفلسطين، ووقع ترامب هذا التنازل مرة واحدة بعد التعهد لأنصاره من اليهود الأمريكيين بأنه سوف يتخذ القرار النهائي بشأن تفعيل دائم لقانون نقل السفارة إلى القدس، وسبقه عشرون مرشحاً رئاسياً للرئاسة الأمريكية منذ عام ‏1972‏ بوعودهم بالأمر نفسه تماماً ولكنهم فشلوا .

لم تعترف الأمم المتحدة بأن القدس عاصمة أبدية لإسرائيل ومؤخراً صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية ساحقة 151 دولة ضد تبعية مدينة القدس المحتلة لإسرائيل، وأوضحت أن لا صلة للقدس بإسرائيل مقابل تسع دول ممتنعة وست داعمة وهي إسرائيل والولايات المتحدة وكندا وجزر مارشال وميكرونيسيا وناورو.

مجلة فورين بوليسي الأمريكية حذرت من أن المضي قدماً في خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لنقل السفارة إلى القدس المحتلة يهدد باندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة واصفة تلك الفكرة بأنها مروعة لإسرائيل وفلسطين ولمنطقة الشرق الأوسط .

كانت إسرائيل سابقاً تعتمد قاعدة ألا وهي: ليس المهم ما الذي يفكر به الغوييم أي الأغيار ، وإنما الأهم هو ما يفعله اليهود.. لذلك فالمشاريع التي تقيمها سلطات الاحتلال تستهدف النيل من عروبة القدس وتكريس واقع التهويد، تصول وتجول في ربوع القدس العربية ببالغ العربدة والاستهتار وتعيث فساداً وتخريباً وعنصرية متجاوزة كل القيم الإنسانية والمبادئ والقوانين الدولية .

وبنقل السفارة يُظهر ترامب نفسه أنه تميز عن باقي رؤساء أميركا السابقين قوةً وقدرةً باتخاذه لهذا القرار المجحف ليس بحق المقدسيين وحسب بل بحق العالمين العربي والإسلامي، وسيؤدي قراره بطبيعة الحال إلى تسارع الأحداث وتصاعد حدتها داخل الوطن المحتل بانتفاضة شاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة عدا عن وقف المفاوضات النهائية الرامية إلى حل الدولتين ومستقبل عملية السلام بانتظار الاشتباكات والتفاعلات المرتقبة؛ وقد تصاحبها تطورات إقليمية تتورط فيها إسرائيل بأعمال عدائية خارج حدودها.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات