سياسة

ترامب يتحدى قادتنا.. وقادتنا لها

الجمعة 2017.12.8 11:32 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 385قراءة
  • 0 تعليق
محمد شمس الدين

لم يجرؤ أي من الروساء الأمريكيين على تفعيل القرار الذي فصلته أهم مؤسسة في البلاد، ذلك القرار المشؤوم الذي يقضي بنقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس، وقد كان ذلك في العام 1995.

لماذا لا يجد هذا القرار المشؤوم معارضة من الشارع الأمريكي؟، ألم يتراجع كلينتون الذي ظهر في عهده هذا القانون المشؤوم وبوش وأوباما عن وعدهم لليهود حفاظا على الأمن القومي للولايات المتحدة ؟.. لماذا لا يريد ترامب الإصغاء لصوت العقل الأمريكي الذي عارض طوال عقدين تفعيل هذا القرار؟.

ذلك القرار منح ساكن البيت الأبيض حقا وهميا يتمثل في بند من بنوده ليتمكن من توظيفه لصالح إسرائيل ولكن بشكل يظهر تعاطفا -كاذبا- مع مشاعر العرب والفلسطينيين؛ حيث يعطي ذلك البند الرئيس حق التوقيع على القرار لتنفيذه في الوقت المناسب. وقد كان تعليل البند حينها أن يرى الرئيس أن ذلك "يتوافق مع المصالح الأمريكية وحماية الأمن القومي".

وما ذلك القانون أو القرار إلا اعتراف واضح منذ ذلك الحين بما أطلق عليه الاحتلال الإسرائيلي البغيض قانون القدس الذي يستند إليه في محاولاته لتهويد المدينة المقدسة، وما أقدم عليه ترامب ماهو إلا انتقال من مرحلة الاعتراف الورقي إلى العملي.  

وبذلك أصبح ترامب يمينيا متطرفا ومتعطشا لدعم كل ما من شأنه تعكير الأجواء السياسية المتعكرة بما يكفيها بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

الأمر ليس بجديد يا سادة.. والمسلمون والعرب يتحملون جزءا من تبعات عدم الاعتراض على الأمر منذ كان مشروع قانون وقبل إقراره.

مسألة نقل السفارة إلى القدس كانت مسرحية تعرض منذ 22 عاما كل ستة أشهر، وتابع فصولها العالم بأكمله، وقد مرت كتابة فصول هذه المسرحية بعدة مراحل استغرقت أعواما، وتم إنتاجها وإخراجها في أكتوبر عام 1995، وقد كتبتها جماعات الضغط الصهيونية التي لم تأل جهدا منذ العام 67، في الضغط على الإدارات الأمريكية المتعاقبة التي ترعى عملية السلام حتى تمكنت من انتزاع وعد من بيل كلينتون بأن يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل. وبالفعل كان ذلك إحدى أهم أجنداته في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في العام 1992.

ومنذ تلك اللحظة سرى هذا الفكر المتطرف سريان النار في الهشيم حتى تمكن من الكونجرس المؤسسة التشريعية الأهم بغرفتيه، بديمقراطييه وجمهورييه.. وأصبح لتلك الجماعات حول العالم كلمة قوية تستطيع فرضها على المؤسسات العليا في الولايات المتحدة عبر ممثليها.

 ربما كان يظن العالم بأكمله، والعالم العربي جزء منه، أن الضرورة السياسية كانت تقتضي حينها على السياسيين الأمريكيين وعلى رأسهم كلينتون أن يخطبوا ود الصهاينة في كل مناسبة انتخابية؛ لذلك تعهد كلينتون لداعميه من اليهود بأن يحقق لهم مرادهم بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، فلم يلقوا لذلك بالا بحجة أن ذلك شأن داخلي؛ لكن ذلك لم يكن إلا خطأ استراتيجيا، وكان الأولى أن يعترض كل المعنيين بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي على هذا القانون حتى وإن لم ينفذ.. وأن تتم ممارسة الضغوط على الكونجرس دبلوماسيا، ففي نهاية الأمر لم يشأ الكونجرس ذاته أن يتحمل تبعات هذا الأمر الذي أقره ورمى الكرة في ملعب الإدارة التنفيذية، وهذه نقطة يجب أن لا تضيع بين تفاصيل الأزمة. 

التساؤلات التي قفزت إلى الأذهان أثناء وبعد كلمة ترامب ليس لها سقف، ومنها على سبيل المثال..

لمَن يوجه ترامب خطابه حين يقول إن قراره بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل في مصلحة الولايات المتحدة وفي مصلحة عملية السلام؟، مَن سيقتنع بذلك.. ولماذا لا يجد هذا القرار المشؤوم معارضة من الشارع الأمريكي؟.

ألم يتراجع كلينتون الذي ظهر في عهده هذا القانون المشؤوم وبوش وأوباما عن وعودهم لليهود حفاظا على الأمن القومي للولايات المتحدة؟.

لماذا لا يريد ترامب الإصغاء لصوت العقل الأمريكي الذي عارض طوال عقدين تفعيل هذا القرار؟.

ولمَن أيضا يوجه ترامب خطابه حين يقول بأن الشرق الأوسط ينتظره مستقبل مشرق؟، ألا يظن أن في كلامه هذا استفزازا متناهيا لمشاعر العرب؟

لماذا لم تعترض القوى العظمى الصديقة للشعب الفلسطيني على هذا القرار وهي تدرك مدى خطورته؟ فرنسا.. ألمانيا.. روسيا!

وبالطبع هذا يضفي على السؤال شرعية أكبر حين يكون العرب محوره.. لماذا لم يتخذ العرب ما يكفي من تدابير سياسية واقتصادية للإطاحة بهذا القرار الذي كان في "ستاتس كوو" فعليا لأكثر من عقدين من الزمن؟.. وهل كانت واشنطن تساوم به مقابل تعزيز مصالحها مهما اقتضى الأمر طوال هذه المدة؟ .

الرجل وعد فنفذ، وقد كان تقديرا خاطئا أن قلل الجميع من خطورة ما أطلق من وعود، وراهن الجميع على أن ذلك لم يكن إلا كلاما للاستهلاك الإعلامي لكسب ود الناخب اليهودي في الداخل الأمريكي فحسب، لكنه ذات السيناريو الذي لم ينتبه له الجميع.. فكلينتون حينها كان بحاجة للصوت اليهودي، وحين تراجع عن وعده لجماعات الضغط اليهودية بحجة أن ذلك ليس في مصلحة الأمن القومي حاكوا له تلك الفضيحة، واليوم يبدو أن الأمر فيه شيء من سيناريو الأمس.. فقد دعم اليهود ترامب دعما سخيا ومنحوه أصواتهم، وعلى الرغم من أن الإرادة الدولية ضد هذه الخطوة إلا أن الرجل ماض في تنفيذ وعده، فأي نوع من الابتزاز يتعرض له ترامب؟ لأن مسألة الفضائح لم ولن تؤثر فيه كما تعرفون.

ببساطة وإيجاز فإن قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين والقدس كفيلة بتفسير ما قام به ترامب.. وببساطة أكثر فإن هذه الخطوة شطبت جهد عقود من عملية السلام ودمرت خيار حل الدولتين وأقصت الولايات المتحدة من رعاية عملية السلام الفاشلة أصلا، والتي ثبت الآن أنها لم تكن إلا مخدرا يؤخر ما كان يمكن القيام به من قِبل العرب الذين قاموا بالكثير في أزمان سابقة.

بهذه الخطوة أثبت ترامب أنه هو بشخصه على الأقل صديق لجيبه فحسب، وأثبت للعالم أن الأمم المتحدة وقراراتها لم تعد فاعلة أو مؤثرة، فقد نسف بهذه الخطوة الرعناء الهوجاء قرارات كثيرة وأهمها قرار اتخذته الأمم المتحدة وإن لم يكن منصفا للفلسطينيين، وهو القرار 242 والذي قضى بانسحاب القوات الإسرائيلية المحتلة من "أراض" احتلتها عام سبعة وستين دون تحديد لتلك الأراضي، وما ذلك إلا سبب البلاء الأول.. ولو بحثنا لوجدنا أن أسلاف ترامب من صاغوا ذلك القرار واقترحوه.

ترامب أعلن للعالم عمليا أن هذه المؤسسة التي تستضيفها بلاده يمكن التلاعب بها وبقراراتها، فحتى هذا القرار تم اتخاذه تحت الفصل السادس أي أنه ليس ملزما وإنما هو "مجرد توصيات".

المؤكد يا سادة يا كرام أن ترامب استشار مَن حوله من الخبراء والمعاونين فجاءته النصيحة أن هذا هو الوقت الأنسب وأن الفرصة التي انتظروها طويلا ربما لن تتكرر، فالمنطقة العربية ما زالت ترزح تحت ضغط الأزمات والصراعات والانقسامات.

إلا أن ذلك لن يشغل العرب عن قضيتهم المحورية التي تعاهدوا على الدفاع عنها.. هذا ما هو معلن على الأقل.. والآمال معلقة على هذا الموقف الثابت "حتى الآن" في الخروج برد عملي يواكب حجم الموقف وخطورته ليرد لفلسطين وللعرب كرامتهم التي أصيبت في مقتل هذه المرة..

بإمكان العرب أن يستغلوا ما لديهم من أوراق ضغط.. ترامب لا يؤمن بغير لغة المصالح وفي يدنا كعرب الكثير من الأوراق الحمراء التي يمكن التلويح بها بذكاء وسرعة قبل أن يجف مداد القلم الذي استخدمه ترامب للتوقيع على القرار المشؤوم.. وربما ينجحون في القيام بدور الرئيس الأمريكي المطلوب منه أن يحافظ على الأمن القومي لبلاده وقبل ذلك الحفاظ على استقرار وتوازن الأمن في المنطقة..

تحرك نخبة من المستقلين في الولايات المتحدة بإعلان موقفها الرافض جملة وتفصيلا لهذه الخطوة للقرار الذي قاد إليها.. يجب استغلاله أيضا أفضل استغلال عبر إبراز مواقفهم الشجاعة ودعمهم وتشجيعهم لاسيما من يتبوأون مناصب مؤثرة في مؤسسات مؤثرة، وعلى رأسهم السياسيون والإعلاميون كنوع من أنواع الضغط الذي سيكون له تأثير مباشر وسيسهم في صناعة ما يشبه كرة ثلج من الوعي في الشارع الأمريكي الذي تغيب عنه حقائق جوهرية عن القضية الفلسطينية وعن عملية السلام التي ترعاها بلاده، التي ترسل أموال ضرائبه لدعم قتلة الأطفال بالمليارات كل عام.

ويجب الأخذ في الاعتبار الزخم الذي تحظى به هذه القضية المقدسة والمواقف المتوافقة لكل الدول الشقيقة والصديقة، وعلى رأسها القوى العظمى التي ستؤيد أي تحرك حقيقي لكبح جماح التطرف الترامبي.. وإن احتاروا فليرجعوا بالذاكرة قليلا سيجدون من المواقف التاريخية ما هو كفيل بإحداث نتائج تثلج الصدر.. وسيسجل التاريخ محاولتهم على الأقل إذا ما قُدر لها الفشل..

أملنا بكم كبير يا قادتنا ونحسن الظن بكم.. فكونوا عند ظن جماهير شعوبكم.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات