سياسة

خاشقجي وريجيني.. بوابة الشتاء العربي

الثلاثاء 2018.10.16 08:45 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 713قراءة
  • 0 تعليق
إميل أمين

هل لنا أن نكف عن طرح السؤال المتعلق بالتاريخ وعلاقته بما يرتئيه البعض مؤامرة، فيما يرى البعض الآخر أنه تهويل إنشائي لا يدور إلا في عقول البعض من المسكونين بالهواجس؟

الشاهد أن أصحاب نظرية التاريخ المتآمر ومعهم أنصار نظرية الهيمنة العذراء، كلاهما يثير الغبار والدخان من حول الواقع الحالي.. والسؤال لماذا؟

ما جرى لريجيني وخاشقجي يمكن اعتباره أساليب عارية مثل هياكل الأشجار اليابسة، أساليب تستدعي الشتاء العربي ليكون البديل الظلامي الأسوأ من الربيع العربي، اللحظة الآنية تستدعي تعبئة دائمة وتوعية مستمرة فكريا وسياسيا، أمنيا واقتصاديا، استخباراتيا واجتماعيا

دعونا بداية إلى تغيير بعض المصطلحات فبدلا من مؤامرة يمكننا استخدام تعبير مخططات استراتيجية، وهذه تقوم عليها الدول الكبرى صاحبة الرؤية، وبالقطع تتصارع وتتنازع مصالحها مع الآخرين، وعليه فإن فكرة المؤامرة بمعناها الكلاسيكي القديم تكاد تكون بالية، وينفع أن يحل محلها صراعات أصحاب المصالح، والضرر الواقع على الأغيار في تلك الخريطة الدولية المتحركة وبخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بنوع خاص.

لكي نفهم ما علاقة عنوان المقال المتصل باختفاء الكاتب الصحفي السعودي جمال خاشقجي، ومن قبله ببضع سنوات العثور على الطالب الإيطالي جوليو ريجيني في القاهرة مقتولا وممثلا بجثته تمثيلا لا قبل للمصريين به حتى مع أشد الأعداء وفي أزمنة الحرب، علينا أن نتفهم بقليل من العقلانية حال العلاقات الدولية والصراعات الأممية، وأصحاب المصالح الاستراتيجية، أولئك المندفعين إلى سباق الحياة بأقصى سرعة يسمح بها العقل والعلم، وهي قوى دولية تجرب فرض إرادتها بكل الوسائل منها ما هو ظاهر فوق الأرض، ومنها ما هو باطن تحتها، تسعى لإعمالها وإدراك أهدافها علنا وسرا، إقناعا وقسرا، حربا مكشوفة وتربصا في الظلام، ومن هنا فإن التاريخ يصعب جزافا اعتباره مؤامرة مستمرة، لكنه في الوقت عينه لا يمكن اعتباره فردوسا للأطهار .

باختصار غير مخل دعونا نستعرض ما جرى في المنطقة العربية خلال السنوات الثماني المنصرمة، تلك التي عرفت زورا وبهتانا بأنها سنوات الربيع العربي، ولم يكن المشهد سوى شتاء أصولي قارس البرودة، حمل للمنطقة التفكيك والتفخيخ المقنع تحت عباءات "الدمقرطة" وحقوق الإنسان.

استطاعت مصر، على سبيل المثال، تجاوز تلك الأيام العصيبة وانتصرت على المخطط الخارجي، وقد كان يرمي إلى تسليم منطقة الشرق الأوسط بالوكالة للتيارات الإسلامية الأصولية، حتى تتفرغ القوى الكبرى لمواجهة صحوة روسيا وانبعاث الصين من بين أضابير التاريخ.

قصة ما جرى تكاد تكون معروفة، لا سيما بعد أن أفسد المصريون في الثلاثين من يونيو 2013 ذلك المخطط الجهنمي، لكن الثأر التاريخي من مصر لم ينتهِ بعد، ومن هنا يفهم المرء ما قاله الرئيس السيسي في الندوة التثقيفية الأخيرة للقوات المسلحة المصرية في القاهرة، من أن ما لم يقدروا على تحقيقه من الخارج، عمدوا إلى تنفيذه من الداخل.

حكما يقصد الرئيس السيسي بالداخل محاولة تخريب الواقع المصري، لقد جرّبوا تارة عبر محاولة إيقاع الفتنة المذهبية بين المسيحيين والمسلمين عن طريق إحراق كنائسهم وتخريب دورهم وممتلكاتهم، غير أن كبير القبط البابا تواضروس حسم المشهد بقوله "وطن بدون كنائس أفضل من كنائس بدون وطن".

كانت الطعنات لا بد أن توجه إلى مصر تلك التي تجاوزت الربيع الكاذب وأخذت في الانطلاق جهة الازدهار الحقيقي اقتصاديا واجتماعيا، وفي القلب من فتوحات مصر الجديدة الاكتشافات النفطية والغاز، وإيطاليا عبر شركاتها رائدة في هذا الإطار.

غير أنه فجأة ومن دون أي مقدمات يختفي شاب إيطالي تحوم حوله الشبهات، وعلاقاته بجماعات الإسلام السياسي معروفة للقاصي والداني، وطرق تحايله من أجل الحصول على المعلومات التي تخدم أعداء البلاد في الخارج واضحة، فجأة يعثر عليه مقتولا ومسحوقا بطريقة لا يقبلها عقل بشري ليتم إلصاق التهمة بمصر والمصريين.

في علم الجريمة يتم التساؤل الأولي: "مَن المستفيد؟ بالقطع ليس مصر، لا سيما أنه في الليلة التي تم الكشف فيها عن جثته كان هناك أكثر من خمسين من كبار رؤساء مجالس إدارات الشركات الإيطالية على موعد مع الرئيس السيسي لمناقشة المزيد من الاستثمارات في مصر، والاستثمارات تعني الوظائف والحياة ودفع عجلة التنمية لملايين المصريين، ولم يتم اللقاء، وتأزمت الأوضاع لولا حكمة الإدارة المصرية ومحاولاتها الجادة حتى الساعة للكشف عن القاتل الذي أراد وضع العصا في دواليب العجلة التنموية المصرية التي يخشى البعض دورانها.

بالقدر التساوق نفسيهما جاء حادث اختفاء جمال خاشقجي، ولعل الأكثر مدعاة للرصد والتحليل هو الادعاءات الكاذبة التي ترافق الاختفاء الغامض، والمحاولات المستميتة الجارية على قدم وساق لإثبات علاقة المملكة العربية السعودية بلغز اختفاء خاشقجي، وكأنها بالضرورة التاريخية الحتمية هي المسؤولة عن اختفائه.

قبل الحديث والخوض في تفاصيل اللغز الخاص بخاشقجي يعن لنا التساؤل: ما الذي يجري في المملكة في العامين الأخيرين تحديدا؟

حكما إنها ثورة تجديدية وتصحيحية، ثورة على الاتباع القاتل الذي قاد العقلية السعودية إلى التكلس والتحجر، ثورة لصالح البشر والإنسان السعودي قبل كل شيء، ثورة على نهج الريع النفطي ضيق الآفاق والتحليق في سماوات الإبداع الاقتصادي الرحب، ثورة تضمن للمملكة أن تتبوأ المكانة التي تليق بها بوصفها قبلة المسلمين من جهة، وكمركز من مراكز النفط العالمية الكبرى.. هل هناك إذن من يريد أن يوقف هذه المسيرة؟

أي فائدة تعود على المملكة من غياب أو تغييب جمال خاشقجي؟ وهل كان الرجل عدوا لبلاده بالمرة؟

بالقطع، لا فائدة تحل على المملكة من غياب أحد أبنائها الذي شغل مناصب عديدة وحتى إن اختلف فكريا أو منهجيا مع الإدارة الحالية، إلا أن الجميع يشهد له بأنه في اختلافه حفظ الآداب والأخلاق، ولم يوجه أي طعنات أدبية أو مادية لبلاده أو لمسؤوليها.

السؤال المحير.. لماذا يغيب جمال خاشقجي وهناك العشرات وربما المئات من المعارضين السعوديين من أصحاب الرايات الفاقعة والأصوات الزاعقة والذين لم يقترب أحد منهم بالسوء طوال عقود؟

هل المطلوب هو شغل السعودية عن تحقيق طموحاتها وقطع الطريق على مشروعها الإنساني والاقتصادي والسياسي الخلاق؟ أم أن هناك من يحاول أن يعاقب المملكة على دورها الذي سيذكره التاريخ لها بأحرف من ذهب عندما وقفت إلى جانب مصر والمصريين في مواجهة دعاة الظلامية من الإخوان المسلمين؟

ما جرى لريجيني وخاشقجي يمكن اعتباره أساليب عارية مثل هياكل الأشجار اليابسة، أساليب تستدعي الشتاء العربي ليكون البديل الظلامي الأسوأ من الربيع العربي.

اللحظة الآنية تستدعي تعبئة دائمة وتوعية مستمرة فكريا وسياسيا، أمنيا واقتصاديا، استخباراتيا واجتماعيا.. هناك جولة ثانية من المواجهات قادمة لا ريب، ولن توفر أحدا، مخطط الشر قائم وقادم.. فقط الجهود التعبوية والتوعوية من المخلصين هي القادرة على رد السهام وصون الأوطان.

الخلاصة.. الشدائد مصنع الرجال، وطرح القضايا المصيرية يبدأ من الذات لا من الآخرين.


الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات