تمرّ على المرء لحظات عصيبة، يصبح فيها الحليم حيرانًا، والهادئ متشتّتًا، وذلك من هول ما يراه هذه الأيام من فتنٍ متتاليات، وكوارث متعاقبات، ودسائس تُدار هنا وهناك.
والمرء في هذه الأهوال والفتن أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما أن ينجرّ وراء هذه الفتن والأهواء، فيكون قد أضاع دينه ودنياه بدين غيره ودنيا غيره، وإما أن يتمسّك بالحق والثبات في مواجهة هذه الفتن والأهواء، فيكون بذلك قد عصم نفسه وماله وأهله ووطنه، بإذن الله تعالى، من هذه الفتن. وقديمًا قيل إن «الفتنة إذا أقبلت يراها الحكيم، وإذا أدبرت رآها كل أحد».
ولهذا فإن «الحكيم» من يتعظ بغيره، ويستفيد من تجارب الزمان، ويلتزم جماعة الناس وجماعة المسلمين وعامتهم، والذي نعني به هنا بـ«جماعة الناس وعامتهم» هي الدولة والحكومة والشرعية ووليّ الأمر الشرعي، وهو رئيس الدولة، حفظه الله ورعاه.
ولعلّ أهم عنصر من عناصر الثبات في مواجهة الأزمات والفتن هو عنصر تحقيق المواطنة الحقة والولاء التام غير المشروط للوطن، وفي سياق هذا المقال ما يوضح ذلك؛ إذ إن الفتن التي تمرّ بالعالم هذه الأيام جعلت الكثير يتكلم ويغرد شرقًا وغربًا، وأصبح البعض منا مثل «حاطب ليل»، فلا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى.
وعندما نقول إن مواقف الوطنية والولاء إنما تكون مع الوطن في جميع الأحوال، وبدون شروط مسبقة، وبدون انتظار مقابل، فإننا نعني بذلك تحقيق درجة الولاء الكامل للوطن، وإن أي اهتزاز أو نقص في الولاء للوطن، مهما كان صغيرًا أو مجهولًا، فإنما هو كعدم الولاء للوطن.
ولهذا السبب فإن للوطن درجة نجاح واحدة فقط (هي 100٪)، وما دون ذلك فإن الرسوب هو نتيجة كل من ينقص ولاؤه للوطن ويتزعزع.
وفي هذا الشأن نريد أن نوضح الفرق بين ثلاثة أمور: حب الوطن، ثم الانتماء للوطن، ثم الولاء للوطن.
فحب الوطن شيء فطري، يتحكم فيه القلب ولا يملك العقل فيه قرارًا، مثل أن تتحرك مشاعر المرء وأحاسيسه بمجرد أن يرى علم بلده، أو يسمع السلام الوطني، أو يرى زعيم بلده، أو يشاهد إنجازًا لبلده، وهذا بلا شك شأن كل البشر والأجناس في مشارق الأرض ومغاربها.
ثم الانتماء للوطن، وهذا يتحكم فيه العقل، ويُترجم إلى الشعور بالافتخار بالوطن، ويُترجم إلى سلوك إيجابي، مثل الالتزام بقوانين الوطن وأنظمته، والحفاظ على مكتسباته، والسعي في رفع شأنه، والتضحية من أجله بالغالي والنفيس. وخير مثال على ذلك ما يقدمه أبناء الوطن من تضحيات بأرواحهم الطاهرة في سبيل الوطن، طاعةً لله ورسوله وولاة أمورهم، ونفخر بشهداء الإمارات الأبرار الذين ترجموا انتماءهم للوطن عمليًا.
أما الولاء للوطن، فهذا يحكمه الضمير من خلال صدق التعامل مع الوطن ومع ما يقدمه لأبنائه، وعدم تحميل الوطن ما لا يحتمل من ظلم وتجني.
وأعظم صور الحب والولاء والانتماء للوطن هو الالتفاف الكامل وغير المشروط حول قيادة الوطن، والثبات ثم الثبات ثم الثبات حول القيادة، والثقة الكاملة في حكمتها في إدارة الأمور والأزمات والعواصف التي تحيط بها، وعدم الانصياع وراء أصحاب الفتن والأهواء ومثيري الفتن والقلاقل، ممن يسعون في الأرض فسادًا.
وهنا نؤكد مرارًا وتكرارًا أن «الولاء للوطن» إنما يكون بالإثبات العملي لذلك، ومن صور الإثبات العملي للولاء الالتفاف الكامل حول قيادة الوطن دون شرط أو قيد، أو دون ارتباط «بمنع أو بمنح»، بمعنى أن الولاء للوطن يجب أن يكون ثابتًا طوال الوقت، سواء مُنح المرء بعض الحقوق والامتيازات، أو مُنع بعض الحقوق والامتيازات عنه.
ونعتقد بأنه في ظل الأزمات الحالية والفتن نحن أحوج ما نكون إلى الوطن، وعلينا واجب شرعي وأخلاقي وقيمي بأن نقف خلف قيادتنا ومع أوطاننا وقفة شرف وعز ورجولة، والامتثال لتوجيهات قادتنا الكرام، حفظهم الله، في دولة الإمارات، والالتزام بالسلوك الحسن لأبناء الإمارات وعيال زايد، والمضي قدمًا في تحقيق رؤى وتطلعات قادة وشعب الإمارات، والتأثير الإيجابي في مجتمع الإمارات والمجتمع الإنساني عمومًا.
ولا يضرّنا نحن أبناء الإمارات ما قد يحمله علينا البعض وما يشعر به من حقد وحسد وضغينة. وأخيرًا نقول كما يقول الكاتب الإماراتي الدكتور حمد الحمادي، مؤلف رواية «ريتاج»: «ويبقى الوطن (يسارًا) جهة القلب».
حفظ الله الوطن، وقادة الوطن، وشعب الوطن، في يسار صدورنا، وفي جميع كياننا ووجداننا، وفي كل ذرة من إحساسنا ومشاعرنا.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة