في جغرافيا السياسة، تُبنى العلاقات على المصالح، ولكن في جغرافيا «الأخوة الخليجية» تكسر الإمارات والكويت القواعد التقليدية لتقدما للعالم نموذجًا فريدًا يتجاوز لغة الدبلوماسية الرسمية إلى لغة «الدم والمصير».
فما نشهده اليوم من احتفاء إماراتي استثنائي بدولة الكويت الشقيقة ليس مجرد فعالية بروتوكولية، بل هو تجديد لعهد الوفاء الذي قطعه الآباء المؤسسون، وترسخه القيادة الرشيدة اليوم كأهم قصة نجاح في التكامل العربي.
إن العلاقات بين دولة الإمارات ودولة الكويت الشقيقة ليست مجرد مسار دبلوماسي تقليدي، بل هي قصة أخوّة عربية متجذّرة في الذاكرة والوجدان، صاغتها عقود من الثقة والوفاء والتكامل، ورسّختها مواقف تاريخية وإنسانية جعلت منها نموذجًا استثنائيًا في العلاقات الثنائية الخليجية والعربية. إنها علاقة تأسست على روابط الدم والمصير المشترك، ونمت على أرضية صلبة من الاحترام المتبادل والرؤية المشتركة لمستقبل المنطقة.
من قبل أن يُرفع علم الاتحاد في العام 1971، كانت الكويت حاضرة في وجدان الإماراتيين. فالتاريخ لا ينسى البعثات التعليمية الكويتية التي بدأت عام 1955، والبعثات الطبية في 1962، وصولًا إلى «تلفزيون الكويت من دبي» عام 1969.
لقد كانت الكويت «يدًا امتدت لتعطي وتساعد»، كما وصفها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارت. هذا العمق التاريخي هو الذي جعل الكويت من أوائل الدول التي اعترفت بالاتحاد وأقامت علاقات دبلوماسية كاملة في العام 1972، لتبدأ ملحمة من التعاون الذي لم يتوقف قط.
إن استدامة أي علاقة دولية تكمن في الكيمياء التي تجمع قادتها. لقد أرسى المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ صباح السالم، «طيب الله ثراهما»، دعائم ثقة مطلقة. واليوم، يواصل الشيخ محمد بن زايد آل نهيان والشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح قيادة هذه السفينة نحو آفاق غير مسبوقة.
وفي هذا السياق، جاءت مبادرة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بالاحتفاء بعلاقات الأخوّة الإماراتية الكويتية لمدة أسبوع كامل، ابتداءً من 29 يناير 2026، في جميع إمارات الدولة، رسالة وفاء ومحبة نادرة في العلاقات الدولية.
وحين قال الشيخ محمد بن زايد آل نهيان: «إن علاقاتنا مع الكويت علاقة أخوّة ومحبة وقربى.. ونقول شكرًا للكويت، ونبقى أخوة ويدًا بيد للأبد»، لم يكن ذلك خطابًا بروتوكوليًا، بل تعبيرًا صادقًا عن وجدان شعب وقيادة يؤمنان بأن الأخوّة ليست شعارًا، بل ممارسة يومية وموقفًا تاريخيًا، كما يؤكد أن البيت الخليجي يزداد تماسكًا برؤية قيادته التي تؤمن بأن «قوة البيت من قوة أشقائه».
ولا يمكن الحديث عن العلاقات الإماراتية الكويتية دون الوقوف عند محطة «الوفاء الكبرى» في العام 1990. ففي اللحظات العصيبة، أثبتت الإمارات أن «المصير المشترك» ليس مجرد شعار، بل هو موقف وتضحية. استضافة آلاف الأسر الكويتية، والمشاركة الفاعلة للقوات المسلحة الإماراتية في حرب التحرير، كانت البرهان الساطع على أن أمن الكويت هو أمن الإمارات، وهي الوقفة التي ظلت محفورة في ذاكرة ووجدان كل كويتي وإماراتي.
إن «الحفل الإماراتي الكويتي» ليس مجرد احتفال بالماضي، بل هو استثمار في المستقبل. وإذا كان الماضي قد كتب فصول هذه العلاقة بالحكمة والوفاء، فإن المستقبل يحمل فرصًا أوسع للشراكة في مجالات الاستدامة والطاقة النظيفة، والأمن الغذائي، والتكنولوجيا والتحول الرقمي، وبناء المدن الذكية، حيث إن التكامل بين رؤية «نحن الإمارات 2031» و«رؤية الكويت 2035» يفتح آفاقًا جديدة لنموذج خليجي متقدم يقوم على الابتكار والتنمية المستدامة.
بالإضافة إلى ما تمثله العلاقات الإماراتية الكويتية من قصة نجاح عربية ملهمة، فإنها تبرهن أيضًا على أن وحدة المصير وصدق النوايا ووضوح الرؤية قادرة على صناعة شراكات تتجاوز تقلبات السياسة وتحديات الجغرافيا.
إنها علاقة تُدرّس كنموذج للأخوّة الصادقة، وعنوان للاستقرار الإقليمي، ورهان للأجيال القادمة بوصفها ركيزة لمستقبل خليجي أكثر ازدهارًا وتماسكًا.
أخيرًا وليس آخرًا، فإن العلاقة بين دولة الإمارات وشقيقتها الكويت هي «نموذج يُحتذى»؛ لأنها قامت على الصدق قبل السياسة، والمحبة قبل المصالح. إنها قصة نجاح ملهمة تؤكد أننا في الخليج العربي، مهما واجهنا من تحديات، سنبقى ـ كما قال الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ـ «يدًا بيد للأبد».
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة