العالم الأمريكي فريديك دنكان يكشف لـ«العين الإخبارية» سرندبيبة الفوز بجائزة نوبل
جائزة نوبل لا يحسمها الاجتهاد وحده، ولا يمنحها الحظ وحده.. بل يولد الفائزون عند تقاطع الموهبة والجهد والصدفة.
هل يحتاج الحصول على جائزة نوبل للتخطيط أم أنّ للصدفة دور ما؟ وما قيمة عنصر الخبرة التي تقود الباحث العلمي إلى الاكتشافات المذهلة؟ تلك الاكتشافات التي قد تُغير دفة التوجهات العلمية والإنسانية، وتوّسع إدراك الإنسان إلى ما هو أعمق عن الكون والحياة.
وهل تحتاج جائزة نوبل السعي إليها؟ أم هي التي تسعى إلى من يستحقها؟ تحتاج تلك الأسئلة للإجابة من عالم مخضرم حاصل على جائزة نوبل من قبل؛ وليُحدثنا قليلًا عن كواليس خبر فوزه بالجائزة، وهل توّقع حصوله عليها أم نصب تركيزه على العمل أولًا؟ والأهم، ما نصيحته الذهبية للجيل القادم من العلماء؟
وفي هذا السياق، أجرت "العين الإخبارية" حوارًا حصريًا مع العالم الأمريكي البريطاني فريدريك دنكان مايكل هالدين (F. Duncan M. Haldane)، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2016، تقديرًا لأبحاثه الرائدة حول الأطوار الطوبولوجية للمادة والتحولات الطورية. وقد مهدت اكتشافاته الطريق لاعتماد الخصائص الطوبولوجية في تصنيف المواد، لتصبح لاحقًا ركيزة أساسية في تطوير أبحاث الحوسبة الكمومية والإلكترونيات المتقدمة.
خلال الحوار، حدثنا هالدين عن دور السرندبيبة في حياة الباحث العلمي، ودور العمل الجاد للوصول إلى اكتشاف جديد؛ والأهم هو ترك مساحة جيدة للراحة والاهتمام بالأشياء الأخرى؛ فقد تتداخل بطريقة ما وتفتح آفاق الباحث على شيء لم يره من قبل.
تعني "السَّرَنْديبية"، اكتشاف شيءٍ قيم أو الوصول إلى نتيجة سعيدة بالمصادفة، أثناء البحث عن شيء آخر أو دون قصد.
إليكم نص الحوار..
1- هل الحصول على جائزة نوبل يأتي عبر التخطيط أم أنّ للصدفة دورًا ما؟
حسنًا، برأيي، عادةً ما تأتي جائزة نوبل نتيجة الحظ. لذلك؛ فمعظم الجوائز المهمة تذهب للأشياء التي لم يعرف أحد عنها شيئا من قبل، أليس كذلك؟ فإذا كان هناك شيء يعرفه الكثيرون؛ فقد يكون صعبًا للغاية. لكن إذا كان من المعروف عمومًا أنّ شيئًا ما ممكن؛ فهذا يعني أنّ جميع الأذكياء قد اكتشفوه بالفعل من قبل.
إذًا، الاكتشاف الأكثر إثارة للاهتمام، يقع في نطاق الأشياء التي لا يعرفها أحد، وهو ممكن الوصول إليه، لكنك تحتاج إلى الحظ كي يقودك عملك بطريقة ما إلى مكان قريب؛ فتلاحظ شيئًا مثيرًا للاهتمام، وبالطبع تحتاج إلى الاستعداد الكافي لتُدرك وجود شيء مثير للاهتمام، لكنك في الأساس تحتاج إلى الحظ لكي يقودك نحو أشياء غير متوقعة لتتمكن من رؤيتها.
2- هذا يعني أنّ الحظ يُحالف السعي في البحث العلمي، أليس كذلك؟
إنّ أكثر الاكتشافات إثارة للاهتمام، هي تلك التي لم يكن يعلم أحد أنها ممكنة، ثم يُحالف الحظ بعض الناس في العثور عليها، بينما قد يسير آخرون في الشوارع، يدوسون على الغبار بأقدامهم، ولا يلاحظون وجود ماسة ضخمة، يمضون طريقهم بدون أن يلاحظوها. ربما يأتي شخص ما لاحقًا ويرى الماسة، لكن عليك ألا تكون منغمسًا تمامًا في بحثك لدرجة أنك لا تملك الوقت للبحث عن أشياء مثيرة للاهتمام قد تظهر أثناء دراستك لمشكلتك الرئيسية، أليس كذلك؟
لذلك؛ فإنّ هذا النوع من الاكتشافات عادةً يكون غير متوقع -كما ذكرت- فإذا كان الاكتشاف متوقعًا؛ لاستطاع الكثير من الأشخاص الأذكياء العثور عليه بالفعل.
إذًا؛ فالطريقة الوحيدة للعثور على شيء أو اكتشاف كهذا؛ هي الحظ والقدرة على استغلال هذا الحظ لتكتشف أنك قد عثرت على شيء ما بالفعل.
3- عنصر الخبرة مطلوب، لكن هل يمكن أن نُسمى ذلك سرنديبية؟ وهل حدث معكم عند اكتشاف؟
نعم؛ ففي كل مرة أجد شيئًا كهذا أتفاجأ، أعني أنني لم أكن لأتوقع العثور عليه. أما فيما يتعلق بسلسلة الدوران المغناطيسي؛ فقد قادني عملي إلى تحقيق فهم أفضل لبعض الأمور ذات الصلة، وفكرت في تطبيق ذلك على هذا الأمر الأكثر عمومية، وقد صُدمت مثل أي شخص آخر عندما رأيت ذلك.
إنّ طريقتي الجديدة في النظر إلى الأمور قد أخبرتني بشيء ما، ألا وهو أنّ ما كان يعتقد الجميع أنه صحيح، كان في الحقيقة خاطئًا. أعترف بأنني قد صُدمت مثل أي شخص آخر عندما رأيت ذلك؛ لأنني لم أكن لأتوقع العثور عليه. لكن مرة أخرى، كان عملي هو ما قادني في الاتجاه الصحيح، وفجأة، تم الكشف عن شيء جديد. لذلك، يمكنني القول إنّ الأمر يتعلق بالنظر إلى المشكلة من منظور مختلف عما فعله الآخرون الذين عملوا عليها كثيرًا.
في كثير من الأحيان في مجال العلوم، من الجيد جدًا أن تتحدث مع أشخاص مختلفين حول نفس الشيء وتستمع إلى أحاديثهم. ربما تُدرك فجأة شيئًا ما، وتقول: "أوه، هذا يبدو مشابهًا لمشكلتي. ربما أستطيع استخدامه لحل مشكلة الشخص الآخر".
4- كيف تلقيت خبر فوزك بجائزة نوبل؟
ظننت أنّ غيري سيحصل على الجائزة، لكن على أي حال كنت أعلم أنّ الأمر ممكن. مع ذلك، لم أتوقع حدوثه. لذلك، لم أكن قلقًا. في ذلك اليوم، استيقظت في الخامسة صباحًا، كان لدي سُعال، وتلقيت المكالمة الهاتفية، وقُلت "حسنًا، حسنًا، نعم، ماذا حدث؟"، أعتقد أنني لم أُصب بنوبة قلبية فجأة أو أُغمى عليّ أو أي شيء.
كما تعلمين، لن تحصلين على جائزة نوبل بشكل غير متوقع تمامًا، بل يجب أن تكونين قد أنجزتِ عملًا على مستوى عالٍ. أعني أنّ الحصول على هذه الجائزة ليست من قبيل الصدفة، بل إنها تحتاج إلى الكثير من العمل.
في الغالب تجدين عملًا ما تتنافس فيه مجموعات مختلفة من الناس للحصول على لقب "الأول". لذلك، أفضل شيء ألا تقلقين بشأن ذلك. أعني أنّ الشيء الرئيسي هو الرضا الذي تشعرين به عند اكتشاف شيء جديد وفهم شيء لم تفهيه أنتِ أو لم يفهمه أحد من قبل.
5- وما النصيحة الذهبية التي تُقدمها للجيل القادم من العلماء؟
أعتقد أنّ العلم رسالة؛ فلا يجب عليك الخوض فيه إلا إذا كنت حقًا شغوفًا به. وأرى أيضًا أنّ البرنامج العملي مهم، أعني أنه من الضروري أن تُنتج شيئًا مفيدًا، لكن الأهم أنّ تترك مساحة للراحة وعدم التركيز بصورة كاملة على مشروعك بنسبة 100% على شيء مُحدد، مع إتاحة الفرصة لنفسك لاستكشاف أي شيء مثير للاهتمام قد يحدث، بدلًا من قول: ""ليس لدي وقت، يجب أن أستمر في إنجاز مشروعي وإلا سأفقد وظيفتي".
إذًا، إذا كان لديك الوقت الكافي لتتأمل في الأشياء المثيرة للاهتمام التي تحدث في طريقك؛ فهناك احتمال ضئيل جدًا أن يكون هذا أحد أهم الاكتشافات.