ثقافة

السوري نبيل سليمان لـ"العين الإخبارية": جنون 7 سنوات جعلني أكتب هذه الرواية

الخميس 2019.1.31 12:36 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 118قراءة
  • 0 تعليق
الروائي السوري نبيل سليمان

الروائي السوري نبيل سليمان

أكد الروائي السوري نبيل سليمان أن روايته الأحدث "ليل العالم" رسمت أحداثاً كبرى وصغرى مما عاشته الرقة بخاصة منذ سنة 2011 حتى 2015، موضحًا أن منع بعض رواياته ومنها "السجن" و"جرماتي" ورباعية "مدارات الشرق" يشعره بالألم الكبير، كونه يتمنى لكتاباته أن تصل لأكبر قطاع ممكن من القراء. 

وأوضح سليمان في حواره لـ"العين الإخبارية" على خلفية حضوره فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الخمسين، أنه انتهى من رواية جديدة، اسمها "تاريخ العيون المطفأة" تصدر في مارس المقبل عن دار مسكلياني للنشر، لافتًا إلى أنه بدأ مرحلة التحضير للرواية التي تليها، كعادته دائمًا.

تبدو روايتك (ليل العالم) كأنها مبنية أو مستمدة من سيرة ذاتية تخصك بالطبع.. ما رأيك في أن البعض يعتبرها أقرب للوثائقية أو التسجيلية؟

في رواية (ليل العالم) أمشاج سيرية، فقد عملت في الرقة مدرساً من 1967 حتى 1972. خمس سنوات، طالما رددت أنها من أحلى سنوات العمر، وقد أوثقت روحي إلى الرقة حتى الموت. ومن سيرتي (الرقاوية) أنني عملت مدرساً في ثانوية البنات، مثلاً، وأنني شاهدت فيها فيلم (رجل وامرأة)، ولكن ليس بصحبة هفاف كما تخيلت الرواية. ومثل ذلك كثير مما عشته أيضاً في الجزائر أو حلب أو الإمارات، وحضر في الرواية، ولكن بشكل مختلف بدرجة ما، وهذا هو الفرق بين الرواية والسيرة الذاتية. فالرواية أولاً وأخيراً تخييل، مهما كان في بنائها من السيرة الذاتية أو التاريخ أو الوثيقة.. وبدون التخييل لا تكون الرواية رواية.

أما أن "ليل العالم" بدت لك أقرب للوثائقية أو التسجيلية، فاختلافي معه أكبر، لقد رسمت هذه الرواية أحداثاً كبرى وصغرى مما عاشته الرقة بخاصة منذ سنة 2011 حتى 2015، ولكن الرسم غير التسجيل، وغير التوثيق. الرسم غير الحَرْفية التي يناديها التسجيل أو التوثيق. لكن الرسم الروائي، كما الرسم غير الروائي، وكما هو الفن بعامة، يستفيد من التسجيل ومن التوثيق، يتمثلهما ويعيد إبداعهما، وهنا يأتي الفرق بين رواية تستطيع، لا أن توهمك فقط، بل أن تقنعك تماماً بأنها سجلّ عن الواقع، و/أو بأنها قائمة على الوثيقة الفلانية أو العلانية، وقد تعود إلى الوثيقة وتجد منها ما تجد في الرواية، ولكن حين تعود إلى الرواية ستجد أن الوثيقة قد تخلّقت في إهاب جديد، في خلق آخر. وقد كان ذلك طموحي في رواية (جرماتي) أو (المسلّة)، بل كان مغامرتي الكبرى في رباعية (مدارات الشرق)، ثم تواصل كل ذلك في روايات عديدة إلى أن بلغ (ليل العالم)، حيث غامرت الكتابة بتخييل ما جرى تسجيله وتوثيقه من المظاهرات السلمية في الرقة سنة 2011، وما تلا بخاصة من سيطرة الإرهاب المتأسلم تحت رايات جبهة النصرة أو داعش.



لماذا يندر لدينا أدب السيرة الذاتية على الرغم من جاذبيته كجنس أدبي؟

 إذا كان أدب السيرة الذاتية يتطلب شجاعة أو جرأة أو نضجاً من الكاتب، فهو يتطلب أيضاً الرحابة الاجتماعية، الرقي الاجتماعي، الشجاعة التي تجعل القارئ قادراً على أن يرى، يقرأ الصغائر والكبائر، الجمال والقبح والتناقضات.. فالسيرة الذاتية إن كانت ستقوم على المراءاة والتزويق والتنميق، فهي كتابة مخادعة، تخاف من القارئ المحافظ المتعصب لرؤى وقناعات وأفكار بعينها، وعلّة أدب السيرة الذاتية لدينا إذن علّة مزدوجة في الكتابة وفي القراءة.

لك تجربة مع المنع (ليل العالم، جداريات السام، السجن، جرماتي..)، بمَ تفسر ذلك؟ وهل ترى أن الرقيب موجود في كل الأوقات، ولا تختلف طبيعة دوره مهما تغيرت الظروف زماناً ومكاناً؟

عندما أتحدث عن منع بعض رواياتي في بلدي سورية أو في غيرها (في الكويت مثلاً)، فأنا أتحدث بأسى، بمرارة، لماذا؟ لأنني أولاً وأخيراً أريد لرواياتي أن تصل إلى القارئ، ولأنني بريء من علّة من يتمنى أن تمنع روايته، بل يسعى إلى المنع بما يحشد في روايته مما يستفّز الثالوث المحرم الرقابي اجتماعياً ودولتياً، أقصد ثالوث الدين والجنس والسياسة. رحم الله المفكر الكبير النقدي بوعلي ياسين صاحب كتاب (الثالوث المحرم).

أما سبب منع بعض رواياتي فاسألْ عنه الرقيب السوري أو الكويتي، بل والرقيب المصري الذي منع ذات يوم بعيد رباعية (مدارات الشرق)، والرقيب الأردني الذي منع ذات يوم بعيد كتاب (الأدب والأيدولوجية في سورية) وهو الكتاب المشترك بين بوعلي ياسين وبيني.

إنها المعركة القديمة المتجددة بين سلطة اجتماعية و/أو سياسية، تشهر الساطور على رقبة الكتابة التي تختلف معها أو تهتك عوراتها. وقد ترفع الساطور على رقبة الكاتب نفسه. والرقيب هو هو، موجود في كل الأوقات، ودوره هو دوره مهما يتبدل الزمان والمكان، فالفروق ليست جوهرية، وإن يكن الرقيب أحياناً يتزيّن أو يتبرقع بما يخدع في الغرب أو في أمريكا. كثيرون يجهلون قوائم الكتب الممنوعة في الولايات المتحدة الأمريكية الآن، وليس منذ خمسين سنة. وليجرّبْ كاتب ما أن يفكك دعوى الهولوكست في أية دولة. ألن يشهر الرقيب عليه ساطوره؟


أريد أن أسألك عن (رواية الثورة).. هل كُتبتْ بعد؟ ألم يحن الوقت لكتابتها، وكل ما كتب ويكتب محض محاولات تحريضية؟

أطن أن تسمية ما جرى منذ 2011 بالثورة لا يصح إلا على الشهور الأولى التي سميت أيضاً بالحراك أو الانتفاضة. فما جرى بعد الشهور الأولى هو العسكرة والأسلمة والصراع الإقليمي والدولي على صدر سورية. وإذا كان غيري قد سمّى بالحرب الأهلية، فأنا ممن اختار (الزلزال) اسماً. وقد جرّ عليّ هذا الاختيار غضب بعض من نصّبوا أنفسهم قيومين في السياسة أو الثقافة على الثورة والمعارضة، بالأحرى طوّبوها، سجّلوها باسمهم في الشهر العقاري. ومنهم من كتب رواية أو أكثر لتكون له رواية الثورة. لكن الخطابة السياسية والشعاراتية والطائفية والعصبوية أساءت للفن في مثل هذه الرواية التي ليست برواية ثورة ولا رواية تحريضية على الثورة في المحصلة، بل هي أقرب إلى أن تكون تصفية حساب، أو بيانات، أو تبرئة ذمة، أو ثأراً من الماضي الذي شوهته الديكتاتورية.

قضيت 7 سنوات في كتابة رباعية (مدارات الشرق).. هل تعتبرها مشروع العمر؟

بعدما صحوت –إذا ما كنت قد صحوت- من الجنون الذي عصف بي سبع سنوات وجعلني أكتب (مدارات الشرق) قلت: هي مشروع العمر. لكنني سرعان ما صحوت من ذلك أيضاً، آملاً أن يفسح العمر لمشروع ثانٍ. والآن أفكر أن مشروع العمر الثاني قد جاء في روايات، وليس في رواية من أربعة أجزاء كما هي (مدارات الشرق).

بصفتك قارئاً مهتماً بالتاريخ.. هل يمكن اعتماد الرواية التاريخية كوثيقة؟ وما هو تعريف هذه الرواية عندك أيضاً؟

أظن أن الرواية التاريخية هي التي تتقفى التاريخ، فيصبح التخييل الروائي أسير التاريخ أو تابعاً له، مهما تألّق. والمثال الشهير لذلك هو روايات جرجي زيدان. وقد كان هذا النموذج بارزاً في الريادة الروائية (سليم البستاني مثلاً)، كما أبدع فيه آخرون بعد جرجي زيدان مثل معروف الأرناؤوط ومحمد فريد أبو حديد وكرم ملحم كرم ونجيب محفوظ في بداياته. لكن الرواية العربية أخذت في العقود الأخيرة تخرج من إهاب الرواية التاريخية إلى الحفر الروائي في التاريخ، حيث يتمثل التخييل الوثيقة، ويخرج من شبهة التأرخة إلى فضاء الفن. وفي سائر الأحوال والمراحل، أنا ممن يقولون إن الرواية البديعة هي التي يحق لها أن تقول: أنا الوثيقة. وكما تعلم، هناك من علماء الاجتماع أو النفس من يصدق ذلك، والأهم هم القراء الذين يصدقون ذلك.

ماذا تكتب الآن؟

انتهيت للتوّ من كتابة رواية جديدة هي (تاريخ العيون المطفأة)، وستصدر في شهر آذار – مارس عن دار مسكيلياني التونسية. وكالعادة، ما إن أنتهي من رواية حتى أغرق في القراءة إعداداً لمشروع جديد، ومن هذه القراءة في الرواية بخاصة، ما قد أكتب عنه للصحافة. وقد يصادف أيضاً أن يكون عليّ أن أكتب بحثاً أو شهادة لمؤتمر أو ندوة ما، كما أفعل الآن للمساهمة في ندوة بيت الرواية في تونس في مطلع آذار مارس القادم.


تعليقات