دوافع نتنياهو لضرب بيروت.. فصل المسار اللبناني أم تعطيل اتفاق إيران؟
مهّدت إسرائيل لهجومها على الضاحية الجنوبية في بيروت بتغريدة للجيش الإسرائيلي قبل نحو ساعتين من الهجوم.
وفُهِم من خلال هذه التغريدة بأن الجيش الإسرائيلي يستعد لتنفيذ هجوم على الضاحية، حتى وإن لم يعلن عن ذلك صراحة؛ فالجيش الإسرائيلي قال في تغريدته التي نشرها باللغتين الإنجليزية والعربية: "خرق فادح لاتفاق وقف إطلاق النار: حزب الله أطلق 3 مسيرات معادية باتجاه بلدات في شمال إسرائيل".
وأضاف: "لقد سقطت المسيرات المعادية بالقرب من بلدتي شوميرا وشلومي، حيث تضاف هذه المسيرات المعادية إلى مسيرتيْن معاديتيْن إضافيتيْن خرقتا السيادة الإسرائيلية خلال نهاية الأسبوع، وذلك في إطار المحاولات المتواصلة التي يقوم بها حزب الله لاستهداف المدنيين الإسرائيليين".
وكان مسؤولون إسرائيليون قد جددوا تحذيرهم، بعد الإعلان عن قرب إبرام اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، بأن أي هجوم على شمالي إسرائيل سيتم الرد عليه بهجوم على الضاحية.
وبعد نحو ساعتين على التغريدة، قال الجيش الإسرائيلي، دون تحذير مسبق: "هاجم الجيش الإسرائيلي قبل قليل مقرّ قيادة تابعًا لحزب الله في بيروت، استخدمه عناصر حزب الله للدفع بمخططات ضد مواطني دولة إسرائيل وقوات الجيش الإسرائيلي العاملة في جنوب لبنان، وجاءت الغارة بعد أن أطلق حزب الله في وقت سابق اليوم أهدافًا جوية باتجاه إسرائيل".
أما وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، فقد اعتبر أن هجوم الطائرات المسيرة هو بمثابة تحدٍ لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

وقال سموتريتش على منصة "إكس": "إن إطلاق النار على البلدات الشمالية هو اختبارٌ لمعادلة الضاحية التي أعلنها رئيس الوزراء، أدعوه إلى تنفيذها بحزمٍ وثبات، وإلى هدم المباني في الضاحية اليوم".
وأضاف: "إننا نمر بأيامٍ حاسمة في تشكيل هذا المجال الذي طال انتظاره لسنواتٍ عديدة، لقد وعدنا سكان الشمال بالأمن، وعلينا الوفاء بوعدنا".
وبوضوح، فإن سموتريتش يدعو لفصل الملف اللبناني عن الاتفاق الأمريكي-الإيراني.
ولا يمكن النظر إلى الهجوم بمعزل عن الانتقادات الحادة التي وجهتها الحكومة والمعارضة في إسرائيل للاتفاق الناشئ بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.
وهو ما يترك تفسيرين لهجوم الضاحية؛ إما رغبة إسرائيلية بفصل المسار اللبناني عن الاتفاق الإيراني، أو محاولة لتعطيل الاتفاق الأمريكي-الإيراني.
واستنادًا إلى هذا الأمر، تجري الحسابات في إسرائيل ولدى حزب الله حول ردود الفعل المحتملة.
فإيران كانت قد هددت بأنها سترد في حال مهاجمة إسرائيل للضاحية، تمامًا كما فعلت في الأسبوع الماضي بهجوم ردت عليه إسرائيل أيضًا بهجوم في إيران، قبل أن يوقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الهجمات المتبادلة.
ونقلت القناة الإخبارية 12 الإسرائيلية عن مسؤولين أمنيين إسرائيليين وأمريكيين بأن الجيش الإسرائيلي أطلع القيادة المركزية الأمريكية على تفاصيل الغارة التي استهدفت بيروت، وذلك قبل وقت قصير من تنفيذها.
وفي المقابل، نقلت قناة "فوكس نيوز" الأمريكية عن دبلوماسي مشارك في المحادثات أن غارات اليوم على بيروت تُعرقل إتمام الاتفاق. وأضاف الدبلوماسي: "هذا يُمثل محاولة واضحة من إسرائيل لتخريب اتفاق الرئيس وجر الولايات المتحدة إلى الحرب مجدداً".
وعلى ذلك، فإن إسرائيل ترسل من ناحية رسالة بأنها تفصل الملف اللبناني عن الملف الإيراني، ومن ناحية ثانية ترسل رسالة غير مباشرة بأنها غير راضية عن الاتفاق الناشئ بين واشنطن وطهران.
وقال موقع "واللا" الإخباري الإسرائيلي: "يمكن التقدير أن حزب الله يجري حاليًا، خلف الكواليس، مشاورات مع الحرس الثوري الإيراني، ويدرس خيارات الرد على الهجوم الإسرائيلي، إن قرر الرد أصلاً".

وأضاف: "أما حزب الله، فيسعى إلى أن يكون جزءًا من أي اتفاق بين إيران والولايات المتحدة. وإيران ترغب في الهدوء، وكسب الوقت، والحصول على موارد مالية لإعادة الإعمار. في المقابل، تسعى إسرائيل إلى فصل حزب الله عن إيران، وانتزاع ملف المشروع النووي الإيراني، ولا سيما اليورانيوم المخصب، إضافة إلى مشروع الصواريخ أرض-أرض".
وتابع: "إنها ساعات حافلة بالتطورات والاحتمالات".
وحذّر مسؤول عسكري إيراني رفيع الأحد من أن الغارة الإسرائيلية الأخيرة على ضاحية بيروت الجنوبية "لن تبقى بلا رد"، وفق ما ذكر الإعلام المحلي.
وصرّح معاون قائد مقر خاتم الأنبياء، غرفة العمليات المركزية للقوات المسلحة، محمد جعفر أسدي، لموقع "دفاع برس" أنه "بلا شك إن هذه الجرائم لن تبقى بلا رد"، وذلك في إشارة إلى غارة جديدة على الضاحية الأحد أسفرت عن سقوط ثلاثة قتلى.
ماذا بعد؟
تنقل القناة الإخبارية 12 الإسرائيلية عن مصادر أمنية إسرائيلية أنه "في تقييمات الوضع التي سبقت الغارة على الضاحية الجنوبية، أُخذت بالحسبان إمكانية أن تقرر إيران هذه المرة أيضًا الرد على إسرائيل".
وقال مصدر في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية: "رأينا كيف ردّوا في المرة السابقة، وأخذنا ذلك في الحسبان".
وأشارت القناة الإسرائيلية إلى أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تستعد الآن لاحتمال تدخل إيران ومهاجمة إسرائيل مرة أخرى".
أما صحيفة "معاريف" الإسرائيلية فقد أشارت إلى أنه في حديث مع قادة الفرق والألوية في القيادة الشمالية، في ظل المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران والقيود المحتملة على نشاط الجيش الإسرائيلي في لبنان، قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زمير: "الواقع الآن حساس ومعقد. الجيش الإسرائيلي بأكمله مصمم، ويقظ، ومستعد، ويعمل بشدة متفاوتة في جميع القطاعات. لبنان هو مركز ثقلنا الرئيسي، لكننا نستعد أيضًا لتطورات في مجالات أخرى".
ما هو مكان لبنان في الاتفاق الأمريكي الإيراني؟
وتقول صحيفة "معاريف" الإسرائيلية: "رفعت إسرائيل اليوم مستوى الرد وشنّت غارة على الضاحية الجنوبية في بيروت، وذلك في ذروة المفاوضات المتقدمة للتوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران".
وأضافت: "وتجد طهران نفسها الآن أمام معضلة: إما الردّ والمخاطرة بالتفاهمات الآخذة بالتبلور مع واشنطن، أو امتصاص الضربة الإسرائيلية بما يؤدي إلى تآكل معادلة الردع التي حاولت فرضها في بيروت".
وتابعت: "وفي إسرائيل لا يستبعدون إمكانية اندلاع جولة مواجهة جديدة مع إيران إذا قررت الأخيرة الرد، وتقول قيادة الجبهة الداخلية إنه تم رفع مستوى التأهب إلى أعلى مستوى، مع عدم وجود أي تغيير في التعليمات العامة في هذه المرحلة".
وبحسب الصحيفة فإنه "تراقب إسرائيل عن كثب الاتصالات المتقدمة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تركز على مذكرة تفاهم مؤقتة من المفترض أن تفتح نافذة زمنية مدتها 60 يومًا للتفاوض بشأن اتفاق دائم".
وقالت: "الوضع في لبنان معقد، لا تزال إسرائيل تحاول فهم ما يتضمنه بالضبط في التفاهمات التي يتم التوصل إليها خلف الكواليس، وما مدى انسحاب إسرائيل، إن وجد، كجزء من الاتفاق الناشئ".
وأضافت: "تُدرس عدة سيناريوهات؛ الخيار المفضل لإسرائيل هو الحفاظ على الانتشار الحالي. سيناريو آخر يتحدث عن انسحاب جزئي مع الحفاظ على منطقة أمنية، بينما خيار آخر هو العودة إلى المواقع التي تم تأسيسها في مرحلة وقف إطلاق النار".
وتابعت: "على أي حال، تعتقد إسرائيل أنه حتى في أسوأ السيناريوهات، سجلت إسرائيل إنجازات كبيرة في لبنان: تدمير خط القرى الشيعية قرب الحدود، وإلحاق الضرر بالبنية التحتية الرئيسية لحزب الله، وتدمير المنشآت الاستراتيجية".