خرائط جديدة تكشف بؤرا مقلقة لانخفاض التطعيم الثلاثي في أمريكا
كشفت دراسة علمية حديثة عن وجود مناطق واسعة داخل الولايات المتحدة تعاني من انخفاض مقلق في معدلات التطعيم الثلاثي.
والتطعيم الثلاثي هو لقاح للحصبة والنكاف والحصبة الألمانية ، ويتم الربط بين انخفاض التغطية بها والتعرض لتفشي الأمراض، بما في ذلك مناطق شهدت بالفعل تفشيات للحصبة خلال الفترة الأخيرة.

واعتمدت الدراسة، التي استخدمت نماذج تحليلية متقدمة، على رسم خرائط دقيقة لمعدلات التطعيم على مستوى المقاطعات في جميع أنحاء البلاد، لتكشف عن «تجمعات كبيرة من نقص التطعيم»، خاصة في مناطق ريفية وأخرى جنوبية وغربية من الولايات المتحدة.
ويحمي لقاح التطعيم الثلاثي من ثلاثة أمراض معدية خطيرة: الحصبة، والنكاف، والحصبة الألمانية، وقد أُقر استخدامه في الولايات المتحدة منذ عام 1971.
ورغم ذلك، حذّر الباحثون من أن تراجع التطعيم يعيد إلى الواجهة أمراضًا كان يُعتقد أنها باتت تحت السيطرة. وتُعد الحصبة على وجه الخصوص مرضًا شديد الخطورة، إذ قد يؤدي إلى مضاعفات صحية طويلة الأمد أو حتى الوفاة، سواء أثناء الإصابة أو بعد سنوات بسبب مضاعفات نادرة وخطيرة.
وأكد الباحثون أن الحفاظ على معدلات تطعيم مرتفعة يُعد خط الدفاع الأول لمنع تفشي هذه الأمراض وانتشارها خارج السيطرة، مشددين على أهمية امتلاك السلطات الصحية بيانات دقيقة لتحديد المناطق الأكثر هشاشة.

وشارك في الدراسة باحثون من كلية إيكان للطب في ماونت سايناي ومستشفى بوسطن للأطفال، حيث جمعوا بيانات من أكثر من 22 ألف والد ووالدة لأطفال دون سن الخامسة، ضمن عينة تمثيلية على المستوى الوطني.
واعتمد الفريق على منصة "أوتبريكس نير مي" الإلكترونية، وهي أداة يستخدمها ملايين الأشخاص للإبلاغ عن الأعراض بهدف تتبع تفشي كوفيد-19 والإنفلونزا، كما سبق استخدامها في دراسات لتقييم حالة التطعيم باللقاح الثلاثي، ودمج الباحثون هذه البيانات مع أساليب إحصائية وتقنيات ذكاء اصطناعي لتقدير نسب التطعيم على مستوى كل مقاطعة.
وأوضح الباحثون أن هذه المنهجية تسمح برصد فئات لا تظهر عادة في السجلات الرسمية، مثل الأطفال الذين يتلقون تعليمهم في المنازل أو غير المشمولين بالتأمين الصحي.
وعلى المستوى الوطني، قدّرت الدراسة أن نحو 71.1% فقط من الأطفال المؤهلين (أكبر من 6 أشهر) تلقوا جرعة واحدة على الأقل من اللقاح الثلاثي،غير أن الصورة تختلف بشكل حاد عند النظر إلى البيانات المحلية، حيث كشفت الخرائط عن تفاوت كبير بين الولايات والمقاطعات.
وسجلت ولاية نيو مكسيكو أدنى نسبة تطعيم إجمالية بنحو 61.1%، بينما جاءت ماساتشوستس في الصدارة بنسبة 71.3%. أما المقاطعات الأقل تطعيمًا فتركزت في ولايات مثل جورجيا وتكساس وميسيسيبي، في حين ظهرت أعلى النسب في مقاطعات بنيويورك وإنديانا وأوريغون.
ولافتًا، أظهرت الدراسة فروقًا كبيرة مقارنة ببيانات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، حيث قدرت نسبة التطعيم في تكساس بنحو 62.9% فقط، مقابل 93.7% في البيانات الرسمية، بينما سجلت نيو مكسيكو 61.6% مقابل 90.3% وفق تقديرات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، وتزامن ذلك مع تفشي كبير للحصبة في هاتين الولايتين خلال عام 2025.
كما كشفت الخرائط عن مناطق تتجاور فيها مقاطعات منخفضة التطعيم، مثل غرب تكساس وجنوب شرق البلاد الريفي، ما يزيد من خطر تفشي الأمراض مستقبلًا.
وكتب الباحثون في دراستهم أن هذه النتائج «تؤكد الحاجة العاجلة إلى أنظمة رصد أكثر دقة وحداثة، قادرة على تحديد المجتمعات ناقصة التطعيم بدقة، بما يسمح بتدخلات صحية سريعة وموجهة".
ورغم أهمية النتائج، أقر الباحثون بوجود بعض القيود، من بينها اعتمادهم على ذاكرة الأهالي بشأن تطعيم أطفالهم، وانخفاض معدلات الاستجابة في بعض المقاطعات، إضافة إلى شمول أطفال صغار قد يتلقون اللقاح في مراحل لاحقة.
وتأتي هذه النتائج في وقت تشهد فيه ولاية ساوث كارولاينا تفشيًا متسارعًا للحصبة، تجاوز عدد الإصابات فيه 600 حالة. كما تستعد السلطات الأمريكية لتقديم بيانات حول انتقال الحصبة إلى منظمة الصحة للبلدان الأمريكية، وسط مخاوف من فقدان الولايات المتحدة والمكسيك صفة "القضاء على الحصبة"، كما حدث في كندا العام الماضي.
ويشير الخبراء إلى أن اللقاح الثلاثي أصبح هدفا رئيسيا لحملات التضليل المناهضة للتطعيم، ما أسهم في تزايد التردد وفقدان الثقة، وبالتالي عودة الحصبة للانتشار.

وقال البروفيسور سكوت ويفر من الشبكة العالمية للفيروسات: "الحصبة في أي مكان تمثل تهديدا في كل مكان"، مؤكدا أن هذه التفشيات تعكس تحديات طويلة الأمد في الحفاظ على تطعيم الأطفال.
من جانبها، شددت البروفيسورة هايدي لارسون، مؤسسة مشروع الثقة في اللقاحات، على أن تعزيز التطعيم الروتيني، وتحسين أنظمة المراقبة، والتوعية العامة، أمور أساسية لمنع تفشيات جديدة.
ونُشرت الدراسة في مجلة "نيتشر هيلث"، واعتبرها الباحثون أداة مبتكرة لدعم استراتيجيات التطعيم والحد من تفشي الحصبة عبر تدخلات صحية موجهة جغرافيا.