سياسة

العثمانية والإخوانية

الثلاثاء 2018.3.13 10:34 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 904قراءة
  • 0 تعليق
يوسف الشريف

انتشر لغط كثير حول تصريحات نُسبت إلى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه مع عدد من الصحفيين المصريين في مقر سفارة المملكة العربية السعودية بالقاهرة، خلال زيارته إليها الأسبوع الماضي، حول حديثه عن تركيا بصفة "العثمانيين".

ورغم نفي السعودية لذلك، إلا أن الضجة التي ثارت حول الأمر تستحق طرح الموضوع من زاوية سياسية تحليلية؛ إذ لا يخفى انزعاج الدول الأربع الداعية لمحاربة الإرهاب (مصر والإمارات والسعودية والبحرين) من استخدام أنقرة المتزايد مؤخرا لتصريحات "التاريخ العثماني في المنطقة"، وربط العلاقات بين دول الشرق الأوسط المستقبلية بذلك التاريخ وكأنها امتداد له. وبغض النظر عن الخلاف الحاصل بين العرب والأتراك حول ذلك التاريخ العثماني، فإن الأمر له خلفيات سياسية مهمة، خصوصا أنه يُستخدم كغطاء لدعم أنقرة لجماعة الإخوان المسلمين، المصنفة إرهابية في الدول الأربع.

 العديد من الدول العربية يعتبر أن استخدام جماعة الإخوان كذراع للقوة الناعمة التركية، لا يختلف كثيراً عن استخدام إيران للطائفة الشيعية ذراعاً لها للتدخل في شؤون هذه الدول. وهذا ينقل تركيا -بنظر تلك الدول – من دور الصديق والحليف، إلى صورة الدولة الإقليمية الطامعة في التدخل في شؤونها

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قال في آخر تصريح له لقناة العربية في فبراير العام الماضي إنه يعتبر جماعة الإخوان "مجموعة فكرية" وليس تنظيماً سياسياً، وتعهد بالتحرك ضدها "إن تم تقديم الأدلة الدامغة له على ارتباطها بالإرهاب".

اعتبر البعض أن الرئيس أردوغان ترك الباب مفتوحاً أمام تغيير موقف تركيا من هذه الجماعة، فيما رأى آخرون أنه يسعى إلى تخريجة لتبرير الدعم المقدم لها، لكن النائب في حزب العدالة والتنمية يس أكطاي، المسؤول عن العلاقات بين الحزب وبين جماعة الإخوان، والذي عبَّر أكثر من مرة عن دعمه لها وانبهاره بها لدرجة أنه كتب مقالاً يرثي فيه سيد قطب قبل عدة أشهر في ذكرى إعدامه، حيث اعتبره مجدداً إسلامياً "للدين الإسلامي الصحيح"، قال الأسبوع الماضي في لقاء مع إحدى القنوات التركية: "إن جماعة الإخوان تمثل ذراعاً للقوة الناعمة التركية داخل الدول العربية ولا غنى عن دعمها".

هنا تختلف الصورة، وتخرج عن الإطار الذي رسمه أردوغان سابقاً، الأهم كان ربط أكطاي بين جماعة الإخوان والعثمانية حين أضاف: "إن سقوط الخلافة الإسلامية تسبب في فراغ سياسي للعالم الإسلامي، وإن تنظيم الإخوان ظهر ليسد هذا الفراغ وأصبح وريثاً أو بديلاً عن هذه الخلافة".

من هنا يمكن استنتاج أن الدعم للطرح العثماني ما هو إلا غطاء لدعم جماعة الإخوان في الشرق الأوسط، كما أن يس أكطاي في حديثه هذا يصف الإخوان كتنظيم سياسي وحزب ينتهج "الإسلام السياسي"، وهو توصيف يعارض ويخالف التوصيف الذي ذكره الرئيس أردوغان قبل عام، والمطالبة بدعم هكذا "تنظيم" تتضارب كلياً مع مبادئ حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي إليه أكطاي، والقائم على فصل الدين عن السياسة والتأكيد بأن حزبه حزب يميني محافظ وليس إسلامياً، ويتعارض أيضا مع عشرات التصريحات لقيادات الحزب سابقاً – بينهم الرئيس السابق عبدالله غول- التي انتقدت الإسلام السياسي وقالت إن تسييس الإسلام يضر بهذا الدين الحنيف.

السيد يس أكطاي، وبعد تصريحاته هذه، اجتمع بقيادات الإخوان المقيمة في إسطنبول وعبر لها عن دعم تركيا القوي لها، وأغلب الحاضرين هم من المطلوبين أمنياً في مصر وبلدانهم الأربع الداعية لمحاربة الإرهاب.

من هنا تظهر بوضوح ازدواجية الخطاب الرسمي التركي تجاه جماعة الإخوان أولاً، وأن الحديث عن العثمانية في التصريحات السياسية ما هو إلا غطاء إعلامي وسياسي لدعم جماعة الإخوان ثانيا.

البعض في تركيا كان يعتبر حديث الرئيس أردوغان المتكرر عن الحقبة العثمانية نوعاً من السياسة الداخلية في إطار سياساته الساعية لتغيير تركيا العلمانية وإحياء التراث الإسلامي، وكذلك تهميش التراث الأتاتوركي المتجذر فيها، لكن الرئيس أردوغان دخل في تحالف سياسي قوي مع حزب الحركة القومية مؤخراً، وهو حزب يمجد المرحلة العثمانية، لكنه متمسك بقوة بالجمهورية الأتاتوركية العلمانية، وقد أدى هذا التحالف السياسي إلى تخفيف الرئيس أردوغان من تصريحاته المنتقدة للإرث الأتاتوركي، إلى درجة أنه في نوفمبر الماضي، وفي ذكرى وفاة أتاتورك، اعتبر أن "الحزب الحاكم أولى بالانتصار لأتاتورك وأفكاره من اليسار والأتاتوركيين أنفسهم"، وبالتالي فإن الحديث عن الحقبة العثمانية فَقَدَ هدفه الداخلي، وبقِيَ منه هدفه في السياسة الخارجية فقط.

العديد من الدول العربية يعتبر أن استخدام جماعة الإخوان كذراع للقوة الناعمة التركية، لا يختلف كثيراً عن استخدام إيران للطائفة الشيعية ذراعاً لها للتدخل في شؤون هذه الدول، وهذا ينقل تركيا -بنظر تلك الدول – من دور الصديق والحليف، إلى صورة الدولة الإقليمية الطامعة في التدخل في شؤونها، وهذا ليس في مصلحة تركيا التي تربطها بهذه الدول علاقات اقتصادية، ومصالح سياسية مشتركة، في ظل التمدد الإيراني في المنطقة – الذي يعتبر أيضاً تهديداً لمصالح تركيا بقدر ما هو تهديد لمصالح الدول العربية وأمنها- بالإضافة إلى الموقف المشترك من القضية الفلسطينية. 

العديد من الدول العربية بدأ إصلاحات قوية فيما يتعلق بالتطرف الديني وجماعات الإسلام السياسي الذي ظهر ارتباطها واضحاً بالتنظيمات المتطرفة والإرهابية في المنطقة، وما نشهده في السعودية دليل واضح على هذا التوجه الإيجابي والقوي، وهو توجه يشبه توجّه تركيا في السنوات العشر الأولى لحكم حزب العدالة والتنمية الذي بني -حينها – على رفض التطرف الديني وأخذ مسافة من جماعات الإسلام السياسي.

فخلال تلك السنوات العشر رفضت حكومة العدالة والتنمية أي تواصل علني أو رسمي مع جماعة الإخوان، ورفضت طلبها للوساطة مع دمشق والقاهرة في حينه، لأنها أعطت الأولوية لعلاقات طيبة وجيدة مع الدول العربية وحكوماتها، وانعكس ذلك بتعاون اقتصادي غير مسبوق لتركيا مع الدول العربية، والغريب أن الدعم التركي القوي لجماعة الإخوان جاء بضوء أخضر أمريكي خلال فترة ما سمي بالربيع العربي، ومخطط وصول تلك الجماعات للحكم في عدة دول عربية، أما اليوم وقد تخلت واشنطن عن هذا المشروع بعد فشله ومع وصول الرئيس دونالد ترامب إلى الحكم، فإن السؤال يبقى مطروحاً وبقوة دون إجابة، حول سبب استمرار أنقرة في دعم هذه الجماعة.

إن مصلحة الدولة التركية تبدو واضحة في تعزيز علاقاتها الرسمية مع الدول العربية، ورفع ملف تنظيم الإخوان من التداول، ففي دول الخليج ومصر وليبيا العديد من المشاريع الاقتصادية التي يمكن أن تُفتح للشركات التركية، كما أن التعاون التركي مع إيران وروسيا في سوريا يبدو مؤقتاً من أجل التصدي لما تسميه أنقرة "بالخطر الكردي"، لكن في إطار أي حل سياسي مستقبلي في سوريا، فإن مصلحة تركيا ستكون في موقف موحد مع الدول العربية من مشروع سوريا الجديدة، كما أن مشاريع الغاز الجديدة في شرق المتوسط يمكنها أن تتعزز وتتحول إلى تعاون إقليمي كبير في حال عادت المياه إلى مجاريها بين تركيا ومصر.

أيضاً فإن الاستقرار في ليبيا سيكون في مصلحة الشركات التركية ومشاريع الغاز هناك التي تصب استراتيجياً في مصلحة تركيا، والجهد العربي المبذول لاحتضان العراق مجدداً والتخفيف من التأثير الإيراني فيه يتكامل مع دور تركي منتظر في هذا الإطار.

هنا يبرز دور قطر التي تعمل كداعم لتركيا في مشروع تداول الإخوان إعلامياً ومالياً، وتحويلها إلى "ذراع للقوة الناعمة" في المنطقة، ولعل أنقرة تدرك لاحقاً – ولو متأخراً – الفرق الكبير بين العمل على التأثير في الدول العربية من خلال ذراع الإخوان، وبين التعاون المباشر معها في مصالح سياسية واقتصادية تعود بالنفع على الجميع.

هنا نعود إلى جولة الأمير محمد بن سلمان في المنطقة وزيارته لمصر، إذ إنه من المهم أن نرى في جولة الأمير محمد بن سلمان تلك المشاريع الاقتصادية الطموحة التي تربط مصالح السعودية مع مصر والأردن في مشروع نيوم، وما هو منتظر مستقبلاً أعظم وأكبر؛ ليبقى السؤال عما يمنع تركيا من الالتحاق بركب هذا التعاون الإقليمي الطموح والبنّاء.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات