نافذة أوفرتون وجزيرة الغرباء.. كيف غير عام من حكم ترامب بريطانيا؟
عام واحد مع دونالد ترامب كان كافيًا لزعزعة المسلمات السياسية في بريطانيا، ودفع لندن إلى اختبار حدود قدرتها على المناورة أمام رئيس لا يعترف بالثوابت ولا بالحلفاء التقليديين.
فمن غرينلاند وتشاغوس، مرورًا بالرسوم الجمركية إلى لغة الخطاب السياسي، وجدت حكومة كير ستارمر نفسها في مواجهة سؤال أكبر من إدارة خلاف عابر: هل يمكن احتواء ترامب، أم أن تأثيره بات أعمق من أن يحاصر بالدبلوماسية الناعمة؟
الأثر الأبعد لترامب لم يكن في الملفات الخارجية وحدها، بل في الداخل البريطاني نفسه، حيث تحركت «نافذة المقبول سياسيًا» نحو اليمين، وتبدلت نبرة النقاش حول الهجرة والمناخ ودور الدولة.
فما أبرز التغييرات التي طرأت على بريطانيا؟
بعد عام متقلب انتهى بمواجهة متوترة بشأن غرينلاند، خرجت بريطانيا بخلاصة واضحة: لا يمكنها تغيير دونالد ترامب. أما السؤال الأكثر إغراءً اليوم، فهو ما إذا كان ترامب قد غير بريطانيا نفسها.
فبحسب صحيفة «نيويورك تايمز»، فإن محاولة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر كسب ود الرئيس الأمريكي لم تُجنب لندن سيلا من تهديدات الرسوم الجمركية الجديدة ولا منشورات لاذعة على وسائل التواصل الاجتماعي، جاءت ردا على معارضة الحكومة البريطانية طموحات ترامب في غرينلاند. وقد يجادل ستارمر بأن تراجع ترامب لاحقًا عن موقفه مثل تصديقًا على نهجه التهدوي.
لكن في المقابل، انقلب ترامب أيضا على اتفاق أبرمه ستارمر — وكان قد أيده سابقًا — يقضي بالتخلي عن سلسلة من الجزر ذات الحساسية الاستراتيجية في المحيط الهندي لصالح موريشيوس، واصفًا الاتفاق بأنه «عمل من الغباء العظيم»، وهو ما وفّر لخصوم ستارمر سلاحًا سياسيًا للهجوم عليه.
وفي الأربعاء، رددت زعيمة حزب المحافظين المعارض، كيمي بادنوك، انتقادات ترامب نفسها، قائلة لقناة «سكاي نيوز» البريطانية: «هذا تنازل عن أراض بريطانية تضم قاعدة عسكرية استراتيجية، بلا أي مبرر على الإطلاق»، في إشارة إلى قاعدة دييغو غارسيا الجوية التي تديرها بريطانيا والولايات المتحدة بشكل مشترك.
ولا يغير من الأمر شيئًا أن بريطانيا بدأت التفاوض على إعادة جزر تشاغوس في عهد حكومة قادها حزب المحافظين نفسه، أو أن غضب ترامب بدا أقل ارتباطًا بخسارة الجزر، وأكثر ارتباطًا برفض ستارمر الانخراط في مشروع أمريكي للسيطرة على غرينلاند، بحسب الصحيفة الأمريكية، التي أشارت إلى أن ذلك كان مثالا دالا على الكيفية التي استولى بها ترامب على مسار النقاش السياسي في بريطانيا، وغالبًا ما أعاد توجيهه بما يخدم رؤيته.
نافذة أوفرتون
ففي قضايا تمتد من الهجرة والتغير المناخي إلى الجغرافيا السياسية والعدالة الاجتماعية، حرك ترامب ما يُعرف بـ«نافذة أوفرتون» في بريطانيا، أي نطاق الأفكار المقبولة داخل التيار السائد.
يقول تيم بيل، أستاذ السياسة في جامعة كوين ماري بلندن: «لا شك أن ترامب غير مركز الثقل في السياسة البريطانية. فسياسيون على اليمين — وليس فقط من الشعبويين المتطرفين، بل حتى داخل حزب يُفترض أنه تيار رئيسي مثل المحافظين — باتوا مستعدين لطرح سياسات واستخدام لغة كان يُنظر إليها سابقًا على أنها محرمة».
ويضيف: «والأهم من ذلك، أنهم — على غرار ترامب — أفلتوا من المحاسبة، ما أغراهم بالمضي أبعد فأبعد، وهو ما أدى إلى خشونة الخطاب السياسي واستقطابه».
جزيرة من الغرباء
حتى ستارمر نفسه، المعروف بنبرته المتزنة، انزلق أحيانًا إلى خطاب انقسامي قريب من أسلوب ترامب. ففي العام الماضي، حذر أثناء حديثه عن الهجرة من أن بريطانيا قد تصبح «جزيرة من الغرباء» إذا لم تستعد السيطرة على حدودها. (ولاحقًا أعرب عن ندمه على هذه العبارة، التي أعادت إلى الأذهان خطابًا سيئ السمعة ألقاه النائب المحافظ إينوك باول عام 1968).
وتحت ضغط حزب «ريفورم يو كيه» اليميني المعادي للهجرة — والمستلهم جزئيًا من تجربة ترامب — تبنت حكومة العمال سياسات أكثر تشددًا تجاه طالبي اللجوء. ونشر ستارمر صورًا ومقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر شبانًا يُحتجزون وتُؤخذ بصماتهم ويُستجوبون، فيما تفاخرَت الحكومة بترحيل ما يقارب 50 ألف شخص منذ وصولها إلى السلطة.
ويمتد تأثير ترامب إلى موجة ارتداد ضد سياسات التنوع والعدالة والشمول. فقد دعا تيار «العمال الزرق» داخل حزب العمال — وهو تيار يروّج لقيم ثقافية محافظة — الحكومة إلى سن تشريعات تقيد هذه السياسات في التوظيف، جزئيًا لاحتواء تهديد «ريفورم». وذكرت صحيفة «الغارديان» في أكتوبر أن شركات بريطانية عديدة بدأت تعدّل سياساتها استجابة للهجمات على ما يُوصف بـ«ثقافة اليقظة».
كما تتردد أصداء تمرد ترامب على «المؤسسة» في بريطانيا. ففي هذا الشهر، أثار بول أوفندن، المستشار السابق لستارمر، جدلًا واسعا بمقال في «التايمز» هاجم فيه موظفين حكوميين غير منتخبين، متهما إياهم بإضاعة الوقت في «زخارف سياسية» بدلًا من التركيز على هموم المواطنين.
وأطلق أوفندن على ذلك «هيمنة دولة أصحاب المصلحة»، في تعبير يذكّر كثيرًا بمفهوم «الدولة العميقة» الذي يهاجمه حلفاء ترامب، مثل ستيف بانون.
بعض التحولات في السياسات البريطانية — مثل خفض المساعدات الخارجية — تعود إلى قيود مالية، فيما تنبع أخرى، كالتراجع عن أهداف المناخ، من مخاوف تتعلق بالنمو الاقتصادي. لكنها، في المحصلة، تتقاطع مع أجندة ترامب.
ورغم استمرار بريطانيا في تبني الطاقة المتجددة، لم يتوقف ترامب عن السخرية من توربينات الرياح في بحر الشمال. وقال في منتدى دافوس الأسبوع الماضي: «لاحظتُ أن الدول التي تملك توربينات رياح أكثر، تخسر أموالًا أكثر، ويكون أداؤها أسوأ».
ولا يقتصر نفوذ ترامب على بريطانيا، فبحسب المؤرخ والكاتب تيموثي غارتون آش، كان تأثيره أكبر في ألمانيا وبولندا؛ إذ أطلقت برلين برنامج إعادة تسلح تاريخيًا لتعويض انكفاء ترامب عن أوروبا، بينما استفاد حزب «القانون والعدالة» الشعبوي اليميني في بولندا من دعم ترامب خلال الانتخابات الرئاسية العام الماضي.
ويقول غارتون آش: «حيث يظهر تأثيره في بريطانيا هو في النقاش اليميني، إذ طمس الحدود بين المحافظين الليبراليين واليمين المناهض لليبرالية».
مخاطر تأثير ترامب
وخلال تصدي ستارمر لهجمات بادنوك بشأن اتفاق جزر تشاغوس، برزت مخاطر تأثير ترامب. فقد قال رئيس الوزراء أمام البرلمان، في خروج نادر عن خطه تجاه ترامب، إن انتقادات الرئيس الأمريكي لم تكن بشأن الجزر، بل محاولة محسوبة للضغط على بريطانيا للرضوخ لمشروعه في غرينلاند.
وأضاف ستارمر أن استناد بادنوك إلى تصريحات ترامب «يقوض موقفنا — موقف بريطانيا — بشأن غرينلاند».
نبرته الصلبة أوحت بوجود حدود لمجاملته لترامب. وأكد أنه لن يخضع، لا لتراجع ترامب عن اتفاق تشاغوس ولا لتهديدات الرسوم الجمركية. وقد تراجع ترامب فعلًا عن التهديد بعد التوصل إلى خطوط عريضة لاتفاق بشأن غرينلاند مع «الناتو». لكن المحافظين نجحوا، الجمعة، في فرض تأجيل نقاش برلماني حول تشريع يكرس اتفاق تشاغوس.
ويرى دبلوماسيون أن نهج ستارمر الهادئ خفف من أضرار الرسوم الجمركية — إذ وقعت إدارة ترامب أول اتفاق تجاري من نوعه مع بريطانيا — كما أسهم في إبقاء ترامب منخرطًا في ملف أوكرانيا أكثر مما كان متوقعًا.
غير أن بيتر ويستماكوت، السفير البريطاني السابق في واشنطن، يقول: «هذا لم يخفف مطالب ترامب بشأن غرينلاند، كما أن انفجاره غير المدروس حول دييغو غارسيا كان فظًا بوضوح. لذا اضطر ستارمر إلى مواجهته علنًا في قضايا مبدئية».
وكان أوضح مثال على ذلك، الجمعة، حين وبخ ستارمر ترامب لتقليله من دور القوات الأوروبية في أفغانستان، واصفًا تصريحاته بأنها «مهينة وصادمة»، خصوصًا لبريطانيا التي فقدت 457 جنديًا خلال عقدين من القتال هناك.
ويختم ويستماكوت قائلًا: «التحدي هو فعل ذلك من دون استفزاز ردود فعل أسوأ من رئيس معروف برهافة جلده».
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQxIA== جزيرة ام اند امز