سياسة

ظاهرة ‬اختفاء ‬الإسلام ‬السياسي

الإثنين 2018.1.22 03:26 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 571قراءة
  • 0 تعليق
عبدالله بن بجاد العتيبي

ظلت ‬جماعات ‬الإسلام ‬السياسي ‬لعقودٍ ‬مالئة ‬الدنيا ‬وشاغلة ‬الناس ‬في ‬العديد ‬من ‬الدول ‬التي ‬عملت ‬فيها، ‬بإذن ‬من ‬الدول ‬أو ‬بغير ‬إذن، ‬وكان ‬لموازنات ‬دولية ‬ومحلية ‬وصراعات ‬فكرية ‬وسياسية ‬دور ‬في ‬منحها ‬المساحة ‬لتعمل ‬بكل ‬قوتها، ‬وتبلغ ‬مرحلة ‬من ‬التأثير ‬تزيد ‬أو ‬تنقص ‬من ‬بلدٍ ‬إلى ‬بلد، ‬ومن ‬شعب ‬إلى ‬شعب ‬بحسب ‬العديد ‬من ‬المتغيرات. كان ‬ذلك ‬في ‬الماضي، ‬وهي ‬قصة ‬طويلة، ‬ولكن ‬اللافت ‬للملاحظة ‬اليوم ‬هو ‬أن ‬جماعات ‬الإسلام ‬السياسي ‬ورموز ‬هذه ‬الجماعات، ‬وعلى ‬رأسها ‬جماعة ‬«الإخوان»، ‬قد ‬انحسروا ‬بشكلٍ ‬غريبٍ ‬بمجرد ‬أن ‬انتبهت ‬لهم ‬الدول ‬العربية؛ ‬وتم ‬تصنيفها ‬جماعاتٍ ‬إرهابية ‬وتم ‬تتبع ‬كياناتها ‬ومؤسساتها ‬ورموزها ‬وقياداتها، ‬في ‬قوائم ‬إرهابية ‬تصدر ‬تباعاً، ‬وهي ‬ظاهرة ‬جديرة ‬بالاهتمام ‬فعلاً، ‬أين ‬ذهب ‬كل ‬ذلك ‬الضجيج؟ ‬وأين ‬ذهبت ‬كل ‬تلك ‬الرموز؟ ‬وكيف ‬اختفت ‬تلك ‬الأيديولوجيا؟ ‬وكيف ‬ذابت ‬التنظيمات؟.

جماعات ‬الإسلام ‬السياسي ‬ورموز ‬هذه ‬الجماعات، ‬وعلى ‬رأسها ‬جماعة ‬«الإخوان»، ‬قد ‬انحسروا ‬بشكلٍ ‬غريبٍ ‬بمجرد ‬أن ‬انتبهت ‬لهم ‬الدول ‬العربية، ‬وتم ‬تصنيفها ‬جماعاتٍ ‬إرهابية.

هذا ‬السياق ‬لا ‬يزعم ‬بأي ‬حالٍ ‬أن ‬هذه ‬الجماعات ‬انتهت، ‬وأن ‬خطابها ‬تلاشى، ‬هذا ‬بالتأكيد ‬غير ‬صحيحٍ، ‬فالمعركة ‬معها ‬ومع ‬خطابها ‬وفكرها ‬طويلة، ‬ونحن ‬في ‬أول ‬الطريق ‬الصحيح ‬للقضاء ‬عليها ‬وتحجيمها ‬لأبعد ‬مستوى ‬ممكن، ‬ولكن ‬هذا ‬لا ‬يمنع ‬من ‬إثارة ‬الأسئلة ‬السابقة؛ ‬ومحاولة ‬تسليط ‬الضوء ‬على ‬ظاهرة ‬الاختفاء ‬شبه ‬الكامل ‬في ‬الدول ‬العربية ‬التي ‬صنّفتها ‬إرهابية، ‬وعلى ‬رأسها ‬المملكة ‬العربية ‬السعودية ‬وجمهورية ‬مصر ‬العربية ‬والإمارات ‬العربية ‬المتحدة.

تجليِّات ‬هذه ‬الحالة ‬من ‬الاختفاء ‬عن ‬المشهد ‬العام، ‬وعن ‬الحراك ‬المجتمعي ‬في ‬هذه ‬الدول، ‬تتضح ‬في ‬انحسار ‬كبيرٍ ‬جداً ‬في ‬طرح ‬خطابها ‬وتعزيز ‬أيديولوجيتها ‬وتسويق ‬أفكارها، ‬ثم ‬في ‬الامتناع ‬عن ‬المشاركة ‬تجاه ‬أي ‬من ‬القضايا ‬السياسية ‬أو ‬الاجتماعية ‬أو ‬الثقافية ‬أو ‬الإعلامية؛ ‬التي ‬كانوا ‬يجلبون ‬فيها ‬بخيلهم ‬ورجلهم ‬في ‬الماضي.

ثمة ‬اختفاء ‬في ‬إبراز ‬هذه ‬المواقف ‬وإدارة ‬الحملات ‬الجماعية، ‬ومن ‬أوضح ‬الأمثلة ‬التوقف ‬التام ‬عن ‬إصدار ‬البيانات ‬الجماعية ‬التي ‬كانت ‬تمثل ‬أنياب ‬الإسلام ‬السياسي، ‬والتوقف ‬التام ‬عن ‬إصدار ‬الفتاوى ‬السياسية ‬من ‬قبل ‬رموز ‬هذه ‬التيارات، ‬أو ‬رفع ‬الصوت ‬بالتحريم ‬والتحليل ‬والتهديد ‬بالويل ‬والثبور ‬لأي ‬مسألةٍ ‬اجتماعية ‬يُفترض ‬ألا ‬يكون ‬لهم ‬فيها ‬ناقة ‬ولا ‬بعير.

كثيرةٌ ‬هي ‬الشواهد ‬التي ‬يمكن ‬عرضها ‬لرصد ‬هذه ‬الظاهرة، ‬ولعدم ‬الإطالة ‬يجب ‬طرح ‬السؤال ‬المهم ‬وهو ‬لماذا؟ ‬لماذا ‬حدث ‬كل ‬هذا ‬في ‬وقت ‬قصير ‬جداً؟ ‬ولمحاولة ‬الإجابة ‬يمكن ‬عرض ‬بعض ‬النقاط ‬التي ‬تساهم ‬في ‬الفهم ‬أولاً، ‬وفي ‬تلمس ‬الإجابة ‬ثانياً.

أولاً: ‬ضعف ‬جماعات ‬الإسلام ‬السياسي ‬جاء ‬بعد ‬انكشافها ‬بشكلٍ ‬كبيرٍ ‬أمام ‬الدول ‬وأمام ‬الشعوب، ‬وتحديداً ‬بعد ‬أحداث ‬«الربيع» ‬الأصولي ‬في ‬العالم ‬العربي، ‬حيث ‬كشفوا ‬عن ‬وجههم ‬القبيح ‬بكل ‬سفورٍ، ‬ودخلوا ‬بكل ‬عنفٍ ‬وعنفوانٍ ‬في ‬إراقة ‬الدماء ‬والقتل ‬والتخريب، ‬وسعوا ‬لبث ‬استقرار ‬الفوضى، ‬وبالغوا ‬في ‬الجشع ‬للسلطة ‬بشكل ‬أثار ‬عليهم ‬الشعوب.

ثانياً: ‬حطَّموا ‬بأيديهم ‬أي ‬علاقة ‬لهم ‬بالمفاهيم ‬الحديثة ‬التي ‬كانوا ‬يختبئون ‬خلفها ‬من ‬الحقوق ‬والمساواة ‬والعدالة ‬والديمقراطية، ‬وتبين ‬أنهم ‬يتبنون ‬النقيض ‬تماماً ‬لهذه ‬الأفكار ‬الحديثة.

ثالثاً: ‬اتضح ‬للعامة ‬والخاصة ‬أن ‬هذه ‬الجماعات ‬وهؤلاء ‬الرموز ‬لا ‬علاقة ‬لهم ‬بالدين ‬ولا ‬بالإسلام، ‬إلا ‬من ‬حيث ‬هو ‬شعار ‬يوصلهم ‬إلى ‬السلطة، ‬وأنهم ‬بلا ‬مبادئ ‬بحيث ‬افتضح ‬انقلابهم ‬السريع ‬من ‬الأمر ‬إلى ‬نقيضه، ‬في ‬السياسة ‬والأخلاق ‬كما ‬في ‬العلاقات ‬بين ‬الدول، ‬حيث ‬انحازوا ‬سريعاً ‬لإيران ‬وإسرائيل ‬بمجرد ‬استحواذهم ‬على ‬السلطة، ‬وقمعوا ‬كل ‬الفرقاء ‬السياسيين ‬وضيَّقوا ‬الحريات ‬ودمروا ‬الاقتصاد، ‬فكان ‬الانتباه ‬شديداً ‬لكل ‬تلك ‬التصرفات. ‬

وغير ‬هذا ‬كثيرٌ، ‬ولكن ‬الذي ‬ينبغي ‬التنبيه ‬له ‬أنه ‬لا ‬يجب ‬الركون ‬إلى ‬هذا ‬الاختفاء ‬وعدم ‬مواصلة ‬المهمات ‬الكبرى ‬في ‬تتبعهم ‬بشكلٍ ‬منهجي، ‬والقضاء ‬على ‬إرهابهم ‬بشكلٍ ‬مبرمٍ، ‬فهم ‬يجيدون ‬الاختباء ‬والاختفاء، ‬وطأطأة ‬الرأس ‬للرياح.

نقلا عن الاتحاد


الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات