سياسة

آفاق الأحزاب المغربية تحت مجهر خطاب العرش

السبت 2018.8.11 08:35 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 298قراءة
  • 0 تعليق
د. شاكر نوري

منذ أعوام طويلة أزور المغرب، وفي كل مرة ألمس تطوراً هاماً في جميع نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهي تصّب في سيرورة التطور والتنمية. ولعل خطاب العرش، الذي يؤرخ للذكرى التاسعة عشرة لتولي العاهل المغربي جلالة الملك محمد السادس لسدة الحكم، يشكل مركز ثقل في تحديد سمات المرحلة التي يمر بها المغرب في الوقت الحالي، ويحدد أهم هذه المحطات البارزة. وهي ليست بالضرورة تتوفر على الكمال في أوجهها المختلفة، لأنها تخضع لسياسة الحكومات المتعاقبة ومدى تلاؤم برامجها مع التطور والتنمية. ولا يختلف اثنان أن المغرب قطع أشواطاً كبيرة في هذه العملية، وهي بارزة وواضحة على حياة المغاربة.

إن خطاب العرش يسعى إلى وضع النقاط على الحروف في هذا التطور، والتنبيه إلى مواقع الاختلالات التي اعترت هذه العملية كنوع من التفاعل بين الدولة وما يتم فيها من إنجازات من خلال تفاعل الهيئات السياسية والحزبية مع المواطنين، ومدى تفاعلها معهم من أجل إنجاز المهام المطلوبة التي تتطلبها المرحلة.

من خصائص المغرب تمتعه بالوحدة والتلاحم بين الشعب والقيادة، وهي علاقة قديمة تعود إلى بدايات الحكم الملكي منذ تأسيس الدولة المغربية التي لم تنقطع عبر قرون. وهذا ما لا يتوفر في كثير من بلدان العالم، ما يمنح المغرب الاستقرار والأمان

وفي هذه الأثناء، وفي هذه المرحلة بالذات، لا يزال خطاب العرش الملكي المغربي يشكل نواة نقاش وجدل لدى الأوساط السياسية المختلفة التي تتداولها الأوساط لمدى تفاعلها مع استراتيجية الحكم والنظرة التي تلخص النتائج الملوسة، ومدى جديتها في الإسهام في عملية التنمية، ولا تزال تداعياته وتأثيراته واضحة سواء على الأحزاب السياسية وبرامجها أو المساس بفئات المجتمع المختلفة، لأنه تطرق إلى معالجة الشؤون العامة. ولعل ما يميّز نمط خطاب العرش هذا عن الخطابات السابقة أنه ركز على آلية عمل الأحزاب السياسية التي تعتبر المُحرك الأساسي للحياة السياسية المغربية، والسعي إلى تجديد دماء النخب، ومدى فاعليتها واستقطابها لقطاعات مختلفة من الشعب إلى صفوفها، وإعطائها الدينامية اللازمة وحل مشكلاتها وتطوير آفاق تطورها. وكذلك ما يجب أن تقوم به المؤسسات والهيئات التي تشكل نواة الحياة السياسية في البلد.    

وتميّز الخطاب بالصراحة والشفافية في معالجة كافة الأمور التي تخص التنمية والتطور، وأشار إلى العطب الحاصل في آليات العمل السياسي، وضرورة تجاوز المعوقات التي تعترض طريقة التطبيق، لذا اعتبرته الهيئات والمؤسسات بمثابة بوصلة وخريطة طريق لما تنتظره مطالب المغاربة المُلحة والعاجلة. ومن أهم النقاط البارزة التي توجه إليها الخطاب: العمل الجماعي بين أعضاء الحكومة والأحزاب المكونة لها، وكيفية التفاعل بينها من أجل الانخراط في حياة الناس من ناحية، وإصلاح ما ينتاب هذه العلاقة من اختلالات من شأنها أن تعيق العملية السياسية من ناحية أخرى. وهكذا أصبح خطاب العرش بمثابة جرس التحذير للأحزاب السياسية وإنارة طريقها من خلال إلقاء الضوء على آليات عملها.

إن التغييرات الحاصلة في المغرب تفرض على الأحزاب السياسية إعادة النظر في طرق تفكيرها وعملها وخلق أنماط جديدة وفق منظور عصري يتلاءم مع التطورات الحاصلة في العالم العربي والعالم.  

والأسئلة التي تطرح نفسها بإلحاح، هي: هل الأحزاب السياسية المغربية التي تشكل نواة الحياة تعاني من النكوص والابتعاد عن هذه التغييرات؟ وهل تماشي سياساتها الأسلوب العصري في آليات العمل؟

وهذه الأسئلة تفضي بلا شك إلى مناقشة القوانين التي تتحكم بهذه الآليات والقوانين المرتبطة بحياة الشباب وطموحاتهم ورؤيتهم، في إطار جديد وبعيد عن الولاءات التقليدية للأحزاب، من خلال إرساء آليات عمل جديدة قادرة على تنفيذ هذه الطموحات والرؤى ضمن دولة عصرية تفرضها التحولات القائمة في العالم. وهذا ما ركز عليه خطاب العرش الذي ركز على إرساء القيم الديمقراطية داخل عمل هذه الأحزاب ومطالبتها بضرورة تجاوز الطرق التقليدية القديمة في التعامل مع الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ضمن رؤية جديدة قادرة على محاكاة العصر.

ومن هنا، يتولد سؤالان جوهريان هما:

هل تتمكن الأحزاب السياسية المغربية من أن تبتدع حلولاً جديدة للقضايا الاجتماعية والاقتصادية؟ وهل تمكنت هذه الأحزاب من معالجة الأزمات التي واجهت المجتمع المغربي من خلال تعاقب الحكومات بألوانها وأشكالها المتعددة؟

للإجابة على هذين السؤالين لا بد من الرجوع إلى المحاور التي طرحها خطاب العرش، ومدى ولوجه إلى تلمس طريق الإجابات، أولها: الرسالة الموجهة إلى الشعب المغربي الذي أكّد على الثقة المتبادلة بين الدولة والحكومة والأحزاب والمؤسسات، وهي الفاعل الأساسي في عملية أي تطور. وثانيها: مدى صلابة المؤسسات المؤطرة للحياة العمومية بين النقابات والحكومة، من أجل خلق جو من الاستقرار الذي يساعد على المضي إلى أفق المستقبل. وثالثهما: مدى إسهام النظام الملكي في صناعة القاعدة التنظيمية والتشريعية بشكل أقوى، لأنها جوهر وإطار العمل السياسي.

وفي هذا الإطار، تأتي هذه المحاور استجابة لإعطاء نفس جديد للعملية السياسية، من خلال التنبيه إلى الاختلالات التي طرأت على التطور الاقتصادي من أجل إصلاحها، لذلك فإن اقتراح ورش العمل من شأنه أن يعمل على  تحسين الحياة الاجتماعية، من خلال إرساء ميثاق اللاتمركز الإداري لإعطاء مساحة أكبر للتحرك، مدعوماً بالنصوص القانونية.

ولعل الاستثمار بكافة أشكاله كان أحد أهم المحاور، وهو إرساء القوانين المنظمة له، وهو ما يفضي إلى جلب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية وإسهامها في تطور المجتمع وآلياته لأن التركيز على الملفات التنموية هو الضمانة الأكيدة التي تعمل على التقليل من حدة الأزمات التي يواجهها المجتمع، وخاصة ما يتعلق بأزمة تراجع الاستثمارات الأجنبية.  

إن من خصائص المغرب تمتعه بالوحدة والتلاحم بين الشعب والقيادة، وهي علاقة قديمة تعود إلى بدايات الحكم الملكي منذ تأسيس الدولة المغربية التي لم تنقطع عبر قرون. وهذا ما لا يتوفر في كثير من بلدان العالم، ما يمنح المغرب الاستقرار والأمان. وتحسين ظروف المواطنين كان الهم الأول والأخير لسياسية المملكة، من خلال الثناء أو نقد سياسة الحكومات المتعاقبة، من أجل تحقيق الأمثل في هذه السياسة.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات