سياسة

تحالف استعادة الشرعية في قطر

الأحد 2018.2.11 09:55 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 511قراءة
  • 0 تعليق
 يحيى الأمير

في غرف التحكم الأمنية والعسكرية في الدوحة ربما لن تسمع أي حديث باللغة العربية، الوجوه الداخلة والخارجة من تلك المواقع المحصنة لا تحمل أية ملامح خليجية أو عربية، طائرات تهبط وتغادر وأبراج المراقبة وأجهزة الملاحة يكاد يتراجع فيها وجود القطريين بشكل يومي، وحتى من تبقى منهم تكاد تنحصر وظائفهم في خدمة أولئك الأجانب ذوي السحنات الغريبة.

اليوم تدار الدوحة بالكامل من قوى أجنبية، وتتعامل عواصم العالم بازدراء مع مختلف مناشدات النظام القطري لها بالتدخل لحل الأزمة، لأنهم يدركون أن القرار لم يعد قطرياً بالكامل، وفي كل يوم توسع طهران التي تخسر مليشياتها في اليمن نفوذها في قطر وكذلك تفعل أنقرة.

لم تعد قطر دولة مكتملة الأركان، وتراجعت القيم الحقيقية للسيادة لتصبح مجرد عناوين في نشرات أخبار الجزيرة ومانشيتات في صحيفتي الراية والعرب بينما الواقع لا يعكس أية سيادة.

تراجع نموذج الدولة في قطر وحل مكانه نموذج الجهاز السياسي والمالي الموجه، ولا يرى النظام في شعبه سوى مجموعة صغيرة غير مؤثرة ينحصر اهتمامها في امتلاك سيارات الدفع الرباعي والتجول في مقاهي ومطاعم الدوحة، وبالتالي لا يمثلون مسؤولية كبرى للنظام، مما جعل الاهتمام بهم وبمستقبلهم وعلاقتهم بمحيطهم الخليجي آخر اهتمامات النظام. بضعة مئات من الآلاف هم حملة الجنسية القطرية (المجنسون باتوا يمثلون شريحة كبيرة من التركيبة السكانية) لا يقيم النظام لهم أي اعتبار ويجعل مصيرهم رهناً لأدائه السياسي المنفلت.

 أشبه ما تكون بأجهزة التشويش ومركز العمليات الاستخباراتية لكل من يغري النظام الانقلابي في الدوحة بأنه سيعينه على البقاء وسيساعده على التوسع، فانهارت فكرة الدولة الحرة وسيطرت فكرة النظام الخائف من كل شيء، وتشكلت التركيبة السياسية في الدوحة من طبقة لا ترى القطريين شيئاً وترتبط مباشرة برأس الدولة وتدير القرار السياسي بما يخدم تلك المجموعة الحاكمة ويغريها بقدرتها على التوسع والتأثير خارج ما تسمح به قدراتها.

 التوسع خارج الحدود والتأثير السياسي والإقليمي في المحيط، كلها أفعال لا تنتمي لزمن الدولة الوطنية الحرة المدنية، هذا الواقع في الدوحة يمثل انعكاساً لوعي الفئة المؤثرة في بناء التوجه السياسي هناك، عروبيون وإسلاميون حركيون يمثلون جهازاً استشارياً لا يرتبط أصلاً بمفهوم الدولة الوطنية، (لو كانوا مثلا علماء وباحثون وتقنيون لأصبحت الدوحة مركز الجذب والتأثير العلمي أو الطبي أو التقني في المنطقة) لكن نوع وتوجه تلك الطبقة وحالة الخوف داخل النظام وشعوره الدائم بغياب الشرعية جعلته يبحث عن هذه النماذج.

 العام ٢٠١١ ذروة النشوة لهذا النظام، كان الدور الذي أسند له في رعاية ودعم المظاهرات التي عمت بعض العواصم العربية كفيلاً بجعله يتوق للحظة كبرى طالما ظل يمني نفسه بها وارتمى النظام في مشروع الثورات بكل ما لديه من إمكانيات، وساعدت إدارة أوباما على توسيع تلك النشوة وأسندت للدوحة أدواراً كان القيام بها يتطلب كثيراً من الكيد والمؤامرات ضد دول المنطقة والخليج أيضاً، وحين تسلمت جماعة الإخوان الحكم في مصر استوى النظام في أوج انتصاراته المؤقتة التي ظن أنها خالدة، لكن وقبل ثورة الثلاثين من يونيو بخمسة أيام كان الأمير حمد بن خليفة يعلن تنحيه عن الحكم لابنه تميم، فيما حاول إعلام النظام تقديمه للعالم بصفته موقفاً نوعياً يعطي الفرصة للجيل الجديد، تبين بعد ذلك أنه تم طرده كأقل عقوبة يستحقها جراء ما تم كشفه من خيانة وتآمر هو ووزير خارجيته.

خرجا من المكتب الرئيسي إلى المكاتب الخلفية، واستمرت الدوحة الخاسرة من كل دعمها للثورات والمظاهرات وهي تحمل استحقاقات كبرى لا يمكنها المضي في تحقيق أي من طموحها السابق ولا يمكنها أيضاً الحساب منه دون آثار وتبعات.

 بدأ الحساب وأصبحت الضريبة ثقيلة، تحركت الدوحة لتصنع أي شيء ولو في الخفاء، بعد ذلك التاريخ وحيث لم تحسم الدوحة أمرها كانت عملية استدعاء السفراء من كل من المملكة والإمارات ومصر والبحرين.

كانت نهاية فترة أوباما أملاً حقيقيا للدوحة، لقد ذهب "الكفيل" السياسي. لم تلبث أن عرضت الدوحة نفسها في سوق المواقف السياسية ، أغرتها بعض التحولات السياسية في المنطقة بأنها يمكن أن تبحث عن دور آخر ، وإذا بها تتفاجأ بردة الفعل القوية : قرار المقاطعة العربي العادل ، لم تنتظر الدوحة حتى بحثت عن كفيل جديد ، ولا بأس بتنوعهم هذه المرة ؛ كان الطريق الى طهران وأنقرة هو أول الاتجاهات التي أشارت إليها بوصلة النظام التائه . 

يجمع بين هذه الأنظمة الثلاثة أنها كانت الأكثر استبشارا واستثمارا لأحداث ( الربيع العربي ) ثم باتت الأكثر خسارة ، ولا بأس لدى طهران وأنقرة من أن تكون الدوحة التي تظن أنها شريكة لهم مجرد وسيلة يتخففون بها من أعباء فاتورة دعم الثورات والمدخل الأخير الذي يمكنهم من أن تحط ركائبهم في الخليج العربي .

اليوم تدار الدوحة بالكامل من قوى أجنبية، وتتعامل عواصم العالم بازدراء مع مختلف مناشدات النظام القطري لها بالتدخل لحل الأزمة، لأنهم يدركون أن القرار لم يعد قطريا بالكامل، وفي كل يوم توسع طهران التي تخسر ميليشياتها في اليمن نفوذها في قطر وكذلك تفعل أنقرة. وغدا حين يتجول إيراني في شوارع الدوحة يرافقه سائقه القطري، ويصبح "الوجبة" فرعا للمخابرات الإيرانية، سيخرج من تبقى من أشقائنا القطريين الأحرار للبحث عن تحالف عربي لاستعادة الشرعية في قطر .

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات