سياسة

قطر بلا مخالب

الجمعة 2017.7.21 10:59 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 4017قراءة
  • 0 تعليق

على الرغم من المكابرة الفارغة والصراخ الذي يحفل به خطابها السياسي والإعلامي، فإن معالم البؤس تبدو جلية على حكومة قطر بعد شهر ونصف من المقاطعة العربية لها؛ فقبل أشهر كانت الدوحة تمارس بكل راحة ودون أي قيود ما اعتادت عليه طيلة عقدين من الزمن، من تقديم الدعم لجماعات الإرهاب في مختلف أنحاء العالم، وتمويله عبر قنوات خفية أقيمت على مدى سنوات، وتوفير ملاذات آمنة يتحرك فيها الإرهابيون بكل يسر من مطارات قطر وإليها، ويعقدون اجتماعاتهم ويبرمون اتفاقاتهم في ظل رعاية من الأجهزة القطرية، وبإشراف وتوجيه من أعلى مستويات السلطة، ومن "العصابة" التي تضم أشخاصا داخل الحكم وآخرين اختاروا الظل ليكملوا مسيرة التخريب في المنطقة.

هذه جردة حساب بسيطة، تكشف عن أثر المقاطعة العربية خلال شهر ونصف فقط من بدئها، في جانب واحد فقط من جوانب شتى يحتاج كل منها إلى تفصيل

لم تعد الدوحة قادرة على مواصلة الأذى كما كانت تفعل من قبل، بعد أن فتح موقف دول المقاطعة العربية أعين العالم على ما حاولت الدوحة التعمية عليه طويلا، ولم تعد "مأوى الإرهاب" الذي يقصده أمراء القتل والدم والتخريب، فيشعرون بأنهم آمنون من العقاب حين يخطر ببالهم أن يواصلوا مخططاتهم من المكان الذي احتضنهم طويلا؛ ففي مطارات العالم ومنافذه سيكونون عرضة للشك والملاحقة والتدقيق وهم يسافرون من الدوحة وإليها بهوياتهم الحقيقية أو المزورة التي ساعدتهم أجهزة الاستخبارات القطرية على استخراجها.

لم يعد أي تصرُّف لقطر يُقرأ من جانب العالم كله خارج سياق دعم الإرهاب، ولو أن لعبة خطف القطريين في العراق كانت قد حدثت اليوم لما انطلت على أحد، ولظهر على الفور ما خلفها من نية لدعم الإرهاب وتمويله، ولو أن وزير الخارجية القطري زار العراق اليوم كما فعل قبل فرض المقاطعة بوقت وجيز؛ لما استطاع أن يتحرك حُرا على أرض العراق ويلتقي قاسم سليماني مستفيدا من الظل والظلمة التي اعتادت قطر أن تعمل تحت ستارها.

كل مسؤول عربي أو عالمي يلتقي القيادة القطرية الآن أو أيّا من المسؤولين القطريين، ستكون قضية دعم قطر للإرهاب حاضرة في وعيه وفي حديثه، وسيكون كل المسؤولين القطريين حذرين تماما وهم يتحدثون في أي موضوع أو قضية يمكن ربطها بالإرهاب، أو اتخاذ أي موقف أو انتهاج أي سلوك أو عقد أي لقاءات أو إطلاق أي تصريحات تدعم فيها الإرهاب كما اعتادت، أو تراوغ من أجل تغطيته والتعمية عليه.

انتهى عهد الوساطات التي كانت قطر تدّعي أنها تمارسها بين أطراف متصارعة في المنطقة، تحت عنوان تقريب وجهات النظر وإعادة السلم والاستقرار، حتى تحولت إلى إخطبوط صغير ممتد الأذرع، وكانت اللقاءات والتحركات القطرية التي تُعقد داخل هذا البلد أو ذاك وسيلة لنقل الأموال والتعليمات إلى الإرهابيين تحت مظلة الوساطة، بما يرتبط بها من حرية حركة يتمتع بها الوسطاء القطريون، وقدرة على النفاذ إلى الشخصيات الفاعلة وشراء الولاءات وزرع العملاء وجمع المعلومات، ويُستخدم ذلك كله في النهاية في خدمة جماعات الإرهاب التي تجد أمامها كنوزا من المعلومات وتمويلا سخيا وغطاء سياسيا وإعلاميا في مناطق شتى من العالم العربي.

لم يعد سهلا على الجمعيات الشيطانية التي تسميها قطر "جمعيات خيرية" أن تتحرك في العالم دون عوائق كما اعتادت طويلا، ولا يمكن لأيٍّ من عملياتها المالية أن تمر على أعين أي شخص أو جهة داخل العالم العربي وخارجه دون أن تكون موضع شك، ودون أن يعاد فيها النظر مرات، لاكتشاف ما قد يكون وراءها من مرامٍ خبيثة. وكل معاملة من مؤسسة مالية أو مصرفية من قطر، في العالم المفتوح اليوم، ستترك وراءها سؤالا عما إذا كانت معاملة "نظيفة" أم أنها ستار لتمرير أموال إلى جهات مشكوك فيها.

لن يُتاح لضباط القوات المسلحة القطرية ثانية أن يكونوا خنجرا في ظهر كل تحرك خليجي جماعي، وطابورا خامسا يستغل ما يحصل عليه من معلومات حساسة لصالح آخرين، سواء كانت جماعات الإرهاب مثل الإخوان المسلمين أو القاعدة أو داعش أو الحوثيين، عبر الخطوط التي لا تُغلق على الإطلاق، أو دولا مثل إيران التي اجتهدت قطر لتُبقي علاقاتها بها طي الكتمان، ورضيت طهران بذلك لأنها وجدت "عملاء" مخلصين في أرفع مستويات القيادة يعملون لصالحها تطوعا، ويُسرّون إليها بما تطاله أيديهم من معلومات.

لقد ضُبطت قطر متلبسة بما جنت، وسُلِّطت عليها أضواء كاشفة قوية في اللحظة التي كانت فيها مطمئنة إلى مكرها ونباهتها، وفي ذروة نشوتها بما ترتكب من إثم، وأصبح كل همها اليوم هو تبرئة ساحتها من الجرم المشهود، والبحث المحموم عن الذرائع والتبريرات والتفسيرات. ولن يكون سهلا أن تتحرك بعد ذلك على الطرق نفسها، إذ ستتوقف عندها ألف عين لترصد تحركاتها كاملة، وتفتش وراء كل شاردة وواردة، وتحاسبها حسابا عسيرا عند ظهور أدنى دليل أو حتى قرينة.

لم يعد أي مسؤول قطري قادرا على زيارة أي دولة عربية أو أجنبية دون أن يشعر أنه الطرف الأضعف، وأن مجرد نزوله واستقباله في عاصمة عربية صغيرة هو نصر دبلوماسي كبير. وبعد أن كانت الشخصيات القطرية البارزة تسير في خيلاء الطواويس وتتحدث من موقع المانح، أصبحت تستجدي لقاء هنا أو دعوة هناك من دول كانت قطر تتعامل معها بكل غطرسة وغرور، وأصبح كل مسؤول قطري يتحدث في هذه العواصم وهو يعلم أن هناك خطوطا حمراء كثيرة يُحظر عليه تجاوزها، وأنه يمثل الطرف المنكسر في أي حوار أو مناقشة أو مفاوضات كان من المعتاد أن يلقي فيها أوامره ويفرض شروطه قبل أشهر فقط.

هذه جردة حساب بسيطة، تكشف عن أثر المقاطعة العربية خلال شهر ونصف فقط من بدئها، في جانب واحد فقط من جوانب شتى يحتاج كل منها إلى تفصيل، ولا تزال المقاطعة في بدايتها، ولا يزال الطريق مفتوحا أمام تطوير أشكالها بهدوء وعلى مهل، واتخاذ قرارات جديدة ومدروسة ضمن إطار سيادة الدول العربية وحقها في حفظ أمنها واستقرارها، ولن يكون بوسع قطر سوى الاستمرار في توجيه الشتائم وبث البذاءات عبر قناة الجزيرة التي فقدت صوابها، وتحولت إلى محض بؤرة للكذب وتلفيق الأخبار، وتزوير ترجمات المسؤولين الغربيين لتبدو في صالحها، وهذا السلوك أجهز بصورة نهائية على ما كان متبقيا من محاولات الجزيرة للظهور بمظهر المحطة الاحترافية، والحفاظ على الحد الأدنى من معايير العمل الإعلامي المحترم.

باختصار، فإن المحورين اللذين يمثلان إطار المطالب العربية، وجدا طريقهما إلى التطبيق بالفعل، وهما دعم الإرهاب والخطاب الإعلامي التحريضي، إذا أصبح الأول محاصرا تماما، فيما سقط الثاني بعد أن فقدت الجزيرة الرشد، وتخلت حتى عن ادّعائها الحياد والمصداقية، وتورطت تحت الضغط في فضائح كشفت عن بؤسها وتهافتها.

نحن لا نزال في أول الطريق، ومن الواضح أن سياسة الأعصاب الباردة التي تتصرف بها الدول الأربع مع قطر تؤتي أُكُلَها يوما بعد يوم؛ ففي كل مرة يبدي فيها مسؤولو هذه الدول عدم استعجالهم الحل؛ تصاب الدوحة بالحيرة والارتباك، وينعكس ذلك جليا في التخبط الواضح في تصريحات المسؤولين القطريين الذين باتوا في وضع لا يُحسدون عليه.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات