سياسة

تساؤلات مطروحة في المؤتمر العالمي لنصرة القدس

الإثنين 2018.1.8 10:58 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 536قراءة
  • 0 تعليق

تحظى مدينة القدس بإجماع فلسطيني وعربي على عروبتها بشطرَيْها الغربي والشرقي، وقد تجسّد هذا الإجماع في مؤتمرات القمم العربية والإسلامية، وبالتالي فإن على المفاوض الفلسطيني أن يتمسك بعروبة المدينة بشطرَيْها مستقوياً بالموقفين العربي والإسلامي، وبالموقف الدولي الذي يتمسك بقرارات الشرعية الدولية، ومنها رقم 181- 242- 252 التي تنص على الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القدس، ومن جميع الأراضي العربية المحتلة، وقد عمدت الآلة الإعلامية الصهيونية إلى عدم ذكر قرارات الأمم المتحدة أو مؤتمر مدريد أو حتى اتفاق أوسلو، لأن إسرائيل ترفض ذكر قرارات  الشرعية الدولية حتى أن بعض المؤسسات الإعلامية الغربية تتجاهل هذه القرارات الدولية بضغط من اللوبيات اليهودية.

الأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين يوليان أهمية بالغة لمدينة القدس، وذلك لمكانتها المقدسة حيث قبة الصخرة والمسجد الأقصى وحائط البراق، وغدت المدينة جزءاً أساسياً من التراث العربي والإسلامي، وقد تصدى المقدسيون العرب للاحتلال ورفضوا إجراءات السلطات الإسرائيلية بضم مدينتهم ومصادرة أراضيهم وهدم منازلهم، والاعتداء على مقدساتهم المسيحية منها والإسلامية ونهب الآثار وتهويد المدينة .

ويأتي المؤتمر العالمي لنصرة القدس في القاهرة بحضور علماء من معظم دول العالم يومي السابع عشر والثامن عشر من الشهر الجاري، ضمن المؤتمرات الإقليمية والدولية المكرسة لمعالجة التغييرات التي طرأت على المدينة المقدسة؛ بما فيها عملية نقل سفارة واشنطن إلى القدس، واتخاذ إجراءات عاجلة حيال تلك العملية العنصرية، وبذلك فإن موقف فضيلة د.أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف رئيس مجلس حكماء المسلمين من القدس والقضية الفلسطينية يعتبر موقفاً ثابتاً وراسخاً، وسوف يظل متمسكاً بهذه القضية، ولن يتوانى لحظة في الانتصار للقدس، وذلك من واقع مسؤوليته الإسلامية عن قضايا المسلمين، وفي ضوء رسالته العلمية والإسلامية والإنسانية يكرّس الأزهر وشيخه الجليل كل جهده لدعم الأهل في الوطن المحتل مسيحيين ومسلمين؛ للمحافظة على حقوقهم العادلة والانتصار لقضاياهم.

وما يأمله العرب والمسلمون من المؤتمر العالمي لنصرة القدس أن تكون القرارات المُتخذة ذات فعالية ومؤثرة في تطبيقاتها في الواقع، وقد سبق للأمم المتحدة أن أصدرت العديد من القرارات الرسمية، والتي عبَّرت فيها عن قلقها من الأوضاع السائدة في المدينة بسبب الإجراءات الإسرائيلية في تغيير مركز المدينة القانوني، باعتبار تلك القرارات العنصرية الجائرة غير شرعية ودعت إسرائيل للتخلي عنها، وأن الشطر الشرقي من القدس جزء من الأرض العربية المحتلة ويجب الانسحاب منها، لكن إسرائيل ظلت وإلى اليوم تتمادى في تغيير معالم المدينة المقدسة وفي نهب آثارها وإقامة المستوطنات على أراضيها، متجاهلة قرارات هيئة الأمم المتحدة واعتبرت هذه القرارات لا تساوي الحبر الذي كُتبت به ولا قيمة لها .

إن موقف فضيلة د.أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف رئيس مجلس حكماء المسلمين من القدس والقضية الفلسطينية يعتبر موقفاً ثابتاً وراسخاً، وسوف يظل متمسكاً بهذه القضية، ولن يتوانى لحظة في الانتصار للقدس، وذلك من واقع مسؤوليته الإسلامية عن قضايا المسلمين

ولذلك ينبغي أن تتمخَّض نتائج المؤتمر العالمي لنصرة القدس إلى مستوى ومكانة المدينة المقدسة، وبقرارات سياسية ودبلوماسية واقتصادية فعّالة، وأولها وقف سياسة التطبيع مع العدو وإعطاء الدور الأكبر لمكتب المقاطعة في الجامعة العربية ليأخذ أبعاده مع الشركات المتعاملة مع إسرائيل، ولأن سياسة العنصريين الصهاينة مستمرة في تغيير معالم القدس واستهداف المسجد الأقصى، من خلال عمليات التنقيب والحفريات تحت المسجد، تمهيداً لهدمه ومن ثم بناء الهيكل المزعوم مكان الأقصى، رغم أن علماء الآثار يُقرّون بعدم وجوده وإنما هو محض افتراء وادعاء الصهاينة بالهيكل المزعوم لإضفاء الشرعية على احتلال القدس والتصرف بشؤونها، وبالتالي تكريس احتلالها على الأماكن المقدسة مسيحيةً وإسلاميةً .

واليهود أنفسهم مختلفون حول قضية الهيكل ومكان وجوده، ولا وجود له في الحقيقة، ومنذ احتلال القدس عام 1967م، وهم ينقبّون في أرجاء منطقة الحرم كلها وما حوله دون جدوى، واعترف الإسرائيليون بإخفاقهم بالعثور على أي أثر لهذا الهيكل وإنما أزالوا التراب وهم ينقبّون عن الآثار الأموية والعباسية في محيط المسجد وتحت أساساته، ولكن دون أن يتوصلوا إلى معالم الهيكل المزعوم.

حتى أن المتدينين من الإسرائيليين لا يقلون عنصرية عن الغزاة الصهاينة، وإن اختلفوا فيما بينهم فإنهم يختلفون في السياسة الداخلية، وأنهم متفقون كلهم على كرههم للعرب وقد وصف الحاخام عوباديا يوسف العرب بأنهم أسوأ من الأفاعي على حد زعمه وقال: "إن الله قد ندم عندما خلق العرب" وكل الصهاينة العنصريين من ساسة وقادة ومفكرين ..خرجوا من موطن بن غوريون أول رئيس حكومة لإسرائيل، وهو الذي قال يوماً بلهجة ساخرة :"إن إله إبراهيم وإسحق ويعقوب هو إله صالح، لكنه لا يصلح لبناء إسرائيل" ، والكنيست الإسرائيلي منذ أيام وفي أعقاب جعل القدس عاصمة أبدية لإسرائيل أقرّ وبقراءة تمهيدية قانوناً يسمح لوزير الداخلية بسحب الإقامة من سكان القدس والجولان وبما يسمى قانون إعدام المقاومين..

إن أي أمة ترتضي بما يُفرض عليها لاستباحة حقوقها فإنها تُعتبر أمام عيون أعدائها أمة مستضعفة وذليلة، ولا يكترث بحقها عدوها، في حين أن أمتنا العربية قوية بحقها، وما يغريها أنها صاحبة حقوق عادلة وواضحة مما يجعلها متمسكةً بهذا الحق وقادرة على مواجهة أي موقف عدائي، فالقدس هدف العرب والمسلمين والبوصلة الحقيقية التي لا تخطئ، وهي اليوم في وجدان شرفاء العالم، فما عادت بيانات الاستنكار والشجب الصاخبة مفيدة والتي سرعان ما تزول ودون أن تشكل موقفاً موحداً.

وفي كل الأحوال فإن المقاطعة تعد من أهم وسائل مقاومة إسرائيل، وتسهم في إضعاف الاقتصاد الإسرائيلي وتحول دون نموه بمختلف الوسائل, ويتطلب استمراريتها لإلحاق الخسائر بالاقتصاد الإسرائيلي, فمن أولى واجبات المقاطعة منع تسرب المنتجات الإسرائيلية إلى الأسواق العربية وحرمان الاقتصاد الإسرائيلي من تصريف منتجاته في السوق العربي، وهذا يحد من قدرته على المنافسة .

لقد أثرت المقاطعة على إسرائيل وعمل الكيان المصطنع على كسر الحصار لما له من أثر على اقتصادها، وفي هذا السياق أوضحت صحيفة النيوزويك الأميركية أن المقاطعة العربية أنتجت دخاناً سياسياً، ولكن لم تكن لها نار اقتصادية كبيرة وقد رأت الإيكونومست البريطانية أن الاستثمارات الأجنبية في إسرائيل تكون في حالة ذعر حين تنفيذ المقاطعة أكثر من القتال المستمر على الحدود .

وما يمكن التأكيد عليه وضع قرارات القمة موضع التنفيذ الفعلي بما في ذلك دور مكتب المقاطعة ضد إسرائيل، وقد لعب هذا المكتب دوراً كبيراً مؤثراً ورادعاً على مدى العقود الماضية، رغم أنه فقد بريقه بعد مؤتمر مدريد وما روجته إسرائيل من مزاعم, ولذلك يجب أن تكون قرارات مكتب المقاطعة ملزمة لكل الدول العربية دون استثناء, بحيث يدرك العالم أن العرب جادون في الدفاع عن حقوقهم ومصالحهم العليا.

أيضاً يتطلب تفعيل المقاطعة وإحياؤها على مستوى الدول الإسلامية، حيث عقد أوائل العام 2004م مؤتمر في جدة بحضور 45 دولة تم البحث في وسائل وطرق المقاطعة, وطالما هي حق مشروع للعرب ضد إسرائيل التي تغتصب أرضنا وحقوقنا فإنه ينبغي استخدامها بجدية وتنفيذ توصيات المؤتمرات السابقة، فمن شأن ذلك إضعاف اقتصاد إسرائيل، حيث من المعلوم أن العالم يعتمد كلياً على الاقتصاد، ومن هذا المنظور فإن المقاطعة الاقتصادية  تعيق نمو الاقتصاد الإسرائيلي الذي يعاني أصلاً من مشكلات عديدة، ومن هنا فإنه يتطلب تفعيل دور لجان المقاطعة العربية من خلال دعوة رجال الدين والثقافة والفكر للعمل على تعميق فكرة المقاطعة في الأذهان، بصفتها أداة مقاومة سليمة نبيلة شريفة ومشروعة لتصبح سلوكاً وممارسة إرادية يطبقها جميع أنصار الحرية في العالم .

ننتظر أن يتوصل المؤتمر العالمي لنصرة القدس، الذي سينظمه الأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين، إلى إجراءات فعالة ذات تأثيرات بالغة ومؤثرة تعيد الحقوق للمدينة المقدسة، وتحبط كل القرارات العنصرية المتخذة بحقها ذلك ما يأمله العرب والمسلمون في كل أصقاع الدنيا.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات