سياسة

الإذاعة.. القوة الناعمة المعطّلة

الإثنين 2018.2.19 10:00 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 328قراءة
  • 0 تعليق
محمد شمس الدين

لفتة جميلة من اليونسكو أن تهتم بالاحتفال باليوم العالمي للإذاعة في ذكرى إطلاق إذاعة الأمم المتحدة.. ودون عناء في استحضار ذكرياتي مع الإذاعة تذكرت علاقتي الغرامية بالإذاعات العربية والناطقة باللغة العربية في الفترة التي سبقت ظهور موجات الـ"إف إم"، حيث كانت تبث كل إذاعات العالم على الموجات المتوسطة والقصيرة عابرة بذلك كل الحدود والقارات لتصل من أقصى الدنيا إلى أقصاها.

أذكر أنني ارتبطت وجدانياً بالإذاعات العربية في صغري.. كانت -وما زالت بالنسبة لي ولكثيرين- فكرة عبور أو اختراق الصوت كل حواجز الجغرافيا والسياسة عبر الأثير فكرة ساحرة أخّاذة، كنت أتابع وأنا في السابعة من عمري محتويات البرامج الثقافية والمسلسلات التاريخية والدرامية، والأخبار السياسية بشغف كبير، كان أبناء جيلي يفضلون أفلام الكرتون على أي شيء آخر، إلا أنني كنت فريداً بهذا الأمر.. كنت أستأثر بجهاز راديو -أو مذياع- عالي الإمكانات نوعاً ما في بيتنا، فكنت لا أنام قبل أن أتابع حلقة من مسلسلي المفضل ألف ليلة وليلة على إذاعة الشرق الأوسط أو إذاعة صوت العرب، لست متأكداً من ذلك على وجه الدقة، كان أحد أنجح المسلسلات الإذاعية التي تم تحويلها من قصص مقروءة إلى مواد إذاعية مسموعة، وقد نجح مخرجو تلك الأعمال الإذاعية في تصوير مشاهد المسلسلات عبر المؤثرات الصوتية، وتوظيف مهارات الفنانين الصوتية من تلوين وتنغيم وغيرهما، وحتما تعديل بعض النصوص لتوصيل الصورة المطلوبة التي لن تصل لو بقيت مكتوبة.

وهنا لن يفوتني أن أشير إلى جمال إبداع المبدعين من الفنانين والإذاعيين الذين اشتركوا في تلك الأعمال الإبداعية، وخاصة إتقانهم المتناهي للعربية الفصحى لدرجة تشكلت معها - بسبب ذلك الإتقان- ثقافة جيل الثمانينيات في استخدامات اللغة العربية المتعددة، لا سيما مجال التمثيل والتقديم الإذاعي والتلفزيوني.

 هناك دور رئيسي لهذه الوسيلة القديمة المتجددة في الوصول إلى المتضررين من الحرب اليوم كما في اليمن وسوريا وليبيا ومناطق النزاع في أفريقيا وآسيا وغيرها، أولئك الذين تقطعت بهم السبل وليس هناك من وسيلة يعرفون عبرها أخبار وأحداث يومهم ليقرروا ما يجدر بهم فعله لإنقاذ أرواحهم وحماية أنفسهم

الإذاعة المصرية كانت إحدى المؤسسات الإعلامية التي كانت تصلني موجات بث إذاعتها في العاصمة السعودية الرياض حيث كنت أعيش، وكانت إلى جانب شقيقتيها صوت العرب وإذاعة الشرق الأوسط وسيلة أساسية بالنسبة لي لاستقاء المعلومات الثقافية الفريدة عن كل شيء حول العالم، وأذكر منهم الأستاذ الكبير أمين بسيوني رحمة الله عليه، والأستاذ القدير حمدي الكنيسي والأستاذ الفاضل عمر بطيشة والأستاذتين القديرتين لمياء محمود وهالة الحديدي.

إذاعة الرياض "البرنامج العام" وإذاعة جدة "البرنامج الثاني" كان لهما من وقتي نصيب لا بأس به، كنت أتابع عبرهما بعض البرامج الحوارية السياسية والثقافية والترفيهية، وكنت أحد أصدقاء إذاعة جدة خاصة برامج السهرة التي كانت تتميز بفقراتها التفاعلية الترفيهية ومسابقاتها الخفيفة، ولن أنسى صوت الاستاذة الرائعة نوال بخش والأستاذ الرائع ناصر الراجح صاحب الصوت الذهبي والأستاذ عبد العزيز العيدي، والأستاذ عبد الرحمن يغمور والمذيعين التلفزيونيين كامل غالب وماجد الشبل رحمه الله رحمة واسعة.

الإذاعة السودانية كانت إحدى المحطات الإذاعية التي كنت أتابعها منذ الصغر من حين لآخر لمعرفة أحوال السودان، وكان يعجبني سماع الأخبار بأداء الأستاذ القدير عمر الجزلي متعه الله بوافر الصحة والعافية، والذي أسعدني لقاؤه مرة أو اثنتين ليخصني ببعض النصائح التي كان لها دور في مسيرتي المهنية.

وحين الحديث عن الإذاعات العربية لا بد أن نتذكر إذاعيي بي بي سي الكبار، الذين كانوا وراء قوة هذه الإذاعة الناطقة باللغة العربية وتفوقها في تقديم خدماتها الإذاعية للجمهور العربي، والوصول إليه أينما كان على رأسهم الإذاعي والأديب الراحل الطيب صالح عليه رحمة الله وماجد سرحان رحمه الله، والقدير محمود المسلمين، وكذلك عمر الطيب وغيرهم كثير.

ولا بد لي أن أشكر الأستاذ القدير عادل عبد الوهاب رحمة الله عليه كبير المذيعين السوريين، وقد تلقيت على يده تدريباً كان له نصيب الأسد في احترافي مهنة الصحافة الإذاعية والتلفزيونية.

هذا اليوم الذي أرّخت له اليونسكو تأتي ذكراه ووسائل الإعلام في ذروة عنفوانها.. فبعد أن كانت الإذاعة وسيلة حديثة حينها تملكها الدول والحكومات لإيصال رسائلها لشعوبها وترفيههم عبرها.. تطور الأمر لإذاعة مرئية عُرفت بالتلفزة وكانت الحكومات وحدها أيضاً من تملكها في بداياتها، ثم تمكن رجال الأعمال من تحويلها لصناعة مستقلة، واليوم نحن في عصر الإنترنت الذي سبب أزمة حقيقية لهذا الوسيط الذي بات يعاني من هجران كثير من الأصدقاء، لكن القيمين على أمر هذه الإذاعات مازالوا يؤمنون بأنها ستبقى مهما تقدم بها الزمن، والرهان على مواكبة التطورات وخوض غمار المنافسة والتسلح بسلاح الأقدمية والخبرة للوصول إلى قلب المتلقي.. والحق يقال فإن إذاعات الـ "إف إم" هذه مازالت تجدد ذاتها عاماً بعد آخر وتستغل الوسيط، الناقل الجديد، وهو الإنترنت للوصول إلى الشريحة التي تقضي معظم وقتها عليه.

وهناك دور رئيسي لهذه الوسيلة القديمة المتجددة في الوصول إلى المتضررين من الحرب اليوم، كما في اليمن وسوريا وليبيا ومناطق النزاع في أفريقيا وآسيا وغيرها، أولئك الذين تقطعت بهم السبل وليس هناك من وسيلة يعرفون عبرها أخبار وأحداث يومهم ليقرروا ما يجدر بهم فعله لإنقاذ أرواحهم وحماية أنفسهم.. الإذاعة هي الوسيلة الأسرع في إيصال الخبر والمعلومة إليهم لإرشادهم وتوعيتهم للتعامل مع الأوبئة والأمراض وأماكن تقديم الرعاية الطبية وما إلى ذلك.

السؤال الكبير الذي يطرح نفسه أمام الإذاعة.. هل هي قادرة على مجاراة الطفرة التي تشهدها وسائل الإعلام بوسائطها ومنصاتها الجديدة، خاصة أن هذه الوسائط باتت تزاحم الراديو حتى في المكان الوحيد الذي يفترض أن يكون محجوزا لصالحه (السيارة)؟!

في رأيي المتواضع.. نعم بالإمكان المواكبة والمنافسة .. إذا طورت الآليات وفتح المجال للابتكار في هذا المجال.. ومن صور ذلك.. الاستفادة من تطور التكنولوجيا في تطوير برامج مشتركة بين إذاعات محلية داخل البلد الواحد، أو برامج مشتركة بين إذاعات في بلدان مختلفة، ومن شأن ذلك إيجاد محتوى متميز يلبي رغبات وتطلعات الجماهير، وبالتالي تلبية رغبات المستثمرين في تلك الإذاعات عبر التسويق لتلك المحتويات لجلب الرعاية والإعلانات .. والأفكار في هذا الإطار كثيرة، ويمكن توظيف أمر كهذا في تقوية وتفعيل بعض روابط الأخوة العربية التي اقتربت من الانقطاع على الرغم من انفتاح الفضاءات.. بعكس ما كان الأمر عليه وقت كان التواصل بين الشعوب عبر عدد محدود من الإذاعات والقنوات التلفزيونية التي تقدم برامج ذات طابع عربي مشترك، وفي اعتقادي فإن الإذاعة يمكن أن نطلق عليها اليوم (القوة الناعمة المعطّلة) . تحية ود وتقدير لكل زملاء المهنة من الإذاعيين والتلفزيونيين والصحفيين حول العالم

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات