1300 دولار تتبخر.. أسعار الذهب تدخل مرحلة اختبار جديدة
شهدت أسعار الذهب العالمية خلال الأيام الماضية واحدة من أقوى موجات التصحيح السعري منذ بداية عام 2026، بعدما فقد المعدن النفيس أكثر من 1300 دولار للأوقية مقارنة بأعلى مستوياته التاريخية التي سجلها خلال العام الجاري.
أثار ذلك تساؤلات واسعة بين المستثمرين حول مستقبل الأسعار وما إذا كانت التراجعات الحالية تمثل بداية لاتجاه هابط جديد أم مجرد محطة مؤقتة قبل استئناف الصعود؟
ورغم الضغوط التي تعرض لها الذهب خلال الفترة الأخيرة، يرى خبراء اقتصاديون أن العوامل الأساسية الداعمة للمعدن الأصفر لا تزال قائمة، وأكدوا أن الهبوط الأخير جاء مدفوعًا بعمليات جني أرباح وتوفير السيولة أكثر من كونه تحولًا في توجهات المستثمرين بعيدًا عن الذهب.
تصحيح سعري بعد مستويات تاريخية
تعرض الذهب لضغوط بيعية ملحوظة خلال الأيام الماضية، مع اتجاه المستثمرين إلى تسييل جزء من محافظهم الاستثمارية لتوفير السيولة اللازمة للمشاركة في فرص استثمارية جديدة، وهو ما انعكس على الأسعار العالمية التي تراجعت بصورة لافتة بعد سلسلة من المكاسب القياسية.
وخلال تعاملات الثلاثاء، انخفض سعر الذهب بنسبة طفيفة بلغت 0.03% ليستقر قرب مستوى 4328 دولارًا للأوقية، بعدما أنهى الأسبوع الماضي على خسائر تجاوزت 3.2%.
وجاء هذا التراجع بعد أن سجل المعدن النفيس مستويات تاريخية قاربت 5600 دولار للأوقية خلال الأشهر الماضية، مدعومًا بحالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي وتصاعد التوترات الجيوسياسية في عدد من المناطق الحيوية حول العالم.
جني أرباح
ويرى الخبير الاقتصادي المصري، الدكتور وائل النحاس، أن التراجعات الأخيرة لا تعكس فقدان الذهب لجاذبيته الاستثمارية، وإنما ترتبط بعمليات تسييل واسعة للأصول بهدف توفير السيولة اللازمة للمشاركة في استثمارات وطرح شركات كبرى بالأسواق العالمية.
وأوضح لـ"العين الإخبارية"، أن الذهب كان من أكثر الأصول تحقيقًا للمكاسب خلال الفترة الماضية، ما جعله الخيار الأسرع بالنسبة لصناديق الاستثمار لتوفير السيولة عند الحاجة، مشيرًا إلى أن ما حدث يمثل حركة تصحيح طبيعية بعد موجة صعود قوية امتدت لعدة أشهر.
وأضاف أن الذهب لا يزال يتحرك داخل نطاق عرضي واسع، متوقعًا استمرار حالة التذبذب خلال الأسابيع المقبلة، مع بقاء المستثمرين في حالة ترقب لقرارات السياسة النقدية الأمريكية وتطورات الاقتصاد العالمي.
الفائدة الأمريكية
تظل قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي العامل الأكثر تأثيرًا في مسار الذهب خلال الفترة المقبلة، إذ يراقب المستثمرون عن كثب أي إشارات تتعلق بأسعار الفائدة.
ويعتقد محللون أن الفيدرالي الأمريكي يتجه إلى تثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماعاته المقبلة، خاصة في ظل تراجع بعض الضغوط التضخمية، وهو ما قد يوفر دعمًا إضافيًا لأسعار الذهب باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا.
كما أن أي توجه مستقبلي نحو خفض الفائدة سيعزز من جاذبية المعدن الأصفر، عبر تقليص العائد على الأدوات المالية المنافسة، وهو ما يدفع جزءًا من السيولة للعودة مجددًا إلى سوق الذهب.
الصين تواصل شراء الذهب
من بين أبرز العوامل التي تدعم النظرة الإيجابية تجاه الذهب استمرار البنوك المركزية العالمية في تعزيز احتياطياتها من المعدن النفيس، وعلى رأسها الصين التي واصلت زيادة مشترياتها للشهر التاسع عشر على التوالي.
ويرى خبير صناعة وتجارة الذهب والمجوهرات في مصر، أمير رزق، أن استمرار البنوك المركزية في شراء الذهب يعكس تنامي الرغبة العالمية في تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي، خاصة في ظل تنامي المخاوف المرتبطة بالديون الأمريكية والتقلبات الاقتصادية العالمية.
وأوضح لـ"العين الإخبارية" أن هذا الاتجاه يوفر دعمًا طويل الأجل للأسعار، حتى في فترات التراجع المؤقت الناتجة عن عمليات جني الأرباح أو تغير توجهات السيولة قصيرة الأجل.
التوترات الجيوسياسية
ورغم الحديث عن احتمالات تهدئة الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط وتحسن حركة الملاحة الدولية، فإن حالة عدم اليقين الجيوسياسي لا تزال قائمة في العديد من المناطق حول العالم، وهو ما يدفع المستثمرين للاحتفاظ بجزء من أموالهم في الذهب باعتباره أحد أهم الملاذات الآمنة.
كما أن المخاوف المرتبطة بأزمة الديون الأمريكية، إلى جانب احتمالات اندلاع موجات جديدة من حرب العملات بين الاقتصادات الكبرى، تمنح المعدن النفيس مزيدًا من الدعم على المدى المتوسط والطويل.
هل حان وقت الشراء؟
يرى عدد من الخبراء أن التراجعات الحالية قد تمثل فرصة جيدة لبناء مراكز استثمارية جديدة، خاصة للمستثمرين الذين يتبنون استراتيجيات طويلة الأجل.
ويؤكد المحللون أن الذهب لا يزال يحتفظ بدوره التقليدي كأداة للتحوط ضد التضخم وتقلبات الأسواق، مشيرين إلى أن العوامل الداعمة للمعدن النفيس لم تتغير بشكل جوهري حتى الآن.