سياسة

البعد الديني في زيارة البابا إلى الإمارات

الثلاثاء 2019.1.29 04:31 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 468قراءة
  • 0 تعليق
حسين الشيخ

لا يخفى على أحد ما يمثله البابا فرنسيس من قيمة رمزية ودينية مقدسة لدى الديانة المسيحية واحترام مكانته لدى رموز الديانات الأخرى، كما لا يخفى على أحد ما يتميز به البابا فرنسيس من فكر نافذ متقد منفتح ونظرة ثاقبة وسعة صدر وتسامح، لذلك ستكون زيارته إلى دولة الإمارات العربية المتحدة وتحديداً في العاصمة أبو ظبي التي أعلن عنها الفاتيكان وتستمر لثلاثة أيام من الثالث وحتى الخامس من شهر فبراير/ شباط المقبل، زيارة مهمة جداً.

لا شك أنّ الكثير من الدول تتوجه بالدعوات السمحة المتسامحة لمثل هكذا شخصية لزيارتها، ولكنّ اختيار البابا فرنسيس الإمارات تحديدا أنّه لم يرَ في الدعوة تملقا أو حاجة لدولة مثل الإمارات لاستغلال زيارة قداسته سياسيا، وأنّها كانت دعوة بنية طيبة لإرساء قيم التسامح والأخوة والسلام

تكمن أهمية الزيارة عدا كونها زيارة تاريخية تحدث أول مرة، أنها المرة الأولى التي يزور فيها بابا الكنيسة الكاثوليكية منطقة الخليج العربي، فهي زيارة تحمل في طياتها عدة رسائل بالغة الأهمية، بدءاً من اختيار الإمارات دون غيرها من دول الخليج والمنطقة العربية في الوقت الراهن المشتعل عربياً، وانتهاء بإرساء قيم التسامح والسلام العالمي بين مختلف الأديان والأعراق، ولا تخلو هذه الزيارة من رسائل اجتماعية وسياسية تسلط الضوء على النموذج الإماراتي مجتمعا، وسياسة، ودولة ليكون قدوة تحتذى بها في الأمن والأمان والتسامح والسلام .

لا شك بنّ الكثير الكثير من الدول تتوجه بالدعوات السمحة المتسامحة لمثل هكذا شخصية لزيارتها، ولكنّ اختيار البابا فرنسيس الإمارات العربية المتحدة تحديدا أنّه لم يرَ في الدعوة تملقا أو حاجة لدولة مثل الإمارات لاستغلال زيارة قداسته سياسيا، وأنّها كانت دعوة بنية طيبة لإرساء قيم التسامح والأخوة والسلام وحوار الأديان والحضارات لا صراعها، وأنّ الإمارات واقعيا تعد نموذجا لمثل هذا التعايش والتنوع فهي الدولة التي على أرضها أكثر من مئتي جنسية عالمية متعددة الثقافات والمعتقدات والعادات بتعدد جنسياتها ومشاربها، وعلى الرغم من ذلك لم تسجل حوادث عنصرية أو إساءة لدين أو عرق أو معتقد، وأن المجتمع الإماراتي مجتمع منفتح مسالم طيب متسامح، السلام والتسامح جزء لا يتجزأ من ثقافته وتكوينه وفطرته ولم يسجل على لائحة الإرهاب الدولية لا مؤسسات حكومية ولا مجتمعية ولا أهلية ولا حتى شخصية إماراتية لمساندة أو دعم أو تخطيط أو ترويج للسلوكيات الظلامية المنغلقة.

كما تتمتع الإمارات سياسة جدية فعالة لإرساء هذه القيم وليس من خلال مؤسساتها الأمنية النشطة ذات المهنية العالية والعمل المتقن، بل حتى على المستوى السياسي الرفيع، فالإمارات أول من أسس وزارة دولة باسم (وزارة التسامح) عام 2015، مسخّرة سياسة الدولة ومقدراتها لنشر التسامح وبحث سبله تنظيراً وتطبيقاً، فتكون زيارة قداسة البابا ذات مدلولات وأبعاد تخدم الغاية النبيلة منها في الحوار والتسامح على صعد عدة نقف عند الجانب الديني منها:

فعلى الصعيد الديني تمثل الإمارات النهج الديني الإسلامي الوسطي السمح القادر على التعايش وقبول الآخر أيّاً كان معتقده طالما لا يمس حقوق وحريات ومعتقدات مَن حوله، وسعي الإمارات لبناء برامج توعوية وثقافية واجتماعية لإرساء هذه المبادئ ونبذ العنف والتطرف، وتبني علماء الدين الوسطيين والمؤسسات الوسطية الدينية كدعم الأزهر الشريف وعلمائه وطلبته وتبني مجلس حكماء المسلمين الذي أسس ليكون الدرع الفكرية المواجهة للتطرف ودعاته، وفتح القنوات الإعلامية لتكون منابر لهم لبث دعوتهم الوسطية السمحة لبناء المجتمع على أساس المعتقد الديني الداعي للسلام والأمان، والحفاظ على النفس البشرية وكرامتها، بغض النظر عما تعتقد وتؤمن تلك النفس ما دامت مسالمة قابلة بالآخر متعايشة معه، وهذا نموذج يدعم الغاية النبيلة من هذه الزيارة واللقاء بين الأديان بأنّه يمكن العيش بدليل أن تطبيقه قد نجح في دولة الإمارات، لتكون على ما هي عليه اليوم من أمن واستقرار ونشاط وكرامة لمن هو على أرضها وتحت علمها مهما اعتقد ومهما اعتنق، فإنه مصون الحق باعتقاده وممارسة طقوسه المقدسة وشعائره.

وكما على الصعيد الديني، نجد ما يدعم هذه الغاية النبيلة على الصعيد الاجتماعي فهذه الزيارة ترسخ قيم التعايش والسلام في طبقات المجتمع كافة، فعندما يرى أبناء الديانات المختلفة أن أقدس رموز دياناتهم ورجالها يحثون على السعي للتقارب وبناء الصلات بين الديانات على أسس السلام والتسامح والتعايش والحوار البناء لا الصراع الهدام تُغرس في نفوس أفراد تلك المجتمعات ولو بطريقة غير مباشرة تلك المبادئ بصفة القدسية والواجب والالتزام بالنهج الوسطي المتسامح، وما عداه ليس من فكر هذه الأديان ولا من تعاليمها بل يمس قداستها ويسيء إليها وهذا ما يصل بالناس جميعا لقبول بعضهم بعضا، وهذه إحدى أهم الغايات والأهداف التي أسس لها باني دولة الإمارات العربية المتحدة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ويسير عليه أبناؤه من بعده متخذين من تعاليمه دستورا في التسامح والمحبة والسعي من أجل سلام المعمورة.


الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات