سياسة

الدبلوماسية الدينية.. بعيدا عن السياسة

الأحد 2019.1.27 07:26 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 311قراءة
  • 0 تعليق
نادية التركي

رغم أن "الدبلوماسية الدينية" بدأت مع خلق الإنسان ووجوده على الأرض، إلا أن التّغيُّرات التاريخية، والانقسامات الجُغرافية التي مرّ بها العالم غلّبت المصالح المادية التي اختلفت بين الأرض وكنوزها بأنواعها، والمال والسلاح في عصرنا. وكان الثّمن منذ البداية هو نفسه، أراضٍ رُويت بالدّم وحُدودٌ رسمتها الجماجم.

حان الوقت الآن لاعتماد "الدبلوماسية الدينية" بعيدا عن السياسة والاقتصاد والثقافة؛ لأن أشرار العالم اليوم يستغلّون الإخلاص الديني لدى المؤمنين، ليخلقوا أعداء وهميّين لهم ويشكّكوا في الآخرين وفي كلّ من يحمل معتقدا مختلفا، أو ميولا طائفية تختلف عنه

ورغم أن الدّيانات، على اختلافها، تدعو إلى التّقارب والتّسامح والعدل والمساواة وقبول الآخر، فإننا نمرّ بفترة زمنيّة حالكة من تاريخنا المعاصر.

الاستغلال لاختلاف الديانات وتنوع الطّوائف، كان منفذا ومساحة استغلّها أصحاب الأطماع الاستعمارية والتوسّعيّة الجدد، وخاصة في المنطقة العربيّة ليتّخذوا منها ملاعب لألعابهم القذرة وأحلامهم المستحيلة.

بعد تألق "الدبلوماسية السّياسية" بناءً على احتياجات العالم لها، خاصة بعد فترة الحرب العالمية الثانية، لترسيخ العلاقات بين الدّول وبناء استراتيجيات تعاون دولية بينها، انتهى دورها للتعدّي ومنذ حوالي ١٠ سنوات نحو ما سمّي بـ"الدبلوماسية الاقتصادية"، وذلك خاصة بعد الأزمة المالية العالمية منذ ٢٠٠٨، وتمكّنت هذه السياسة من حلّ الكثير من المشاكل، وفتح آفاق استثمارية في العديد من الدّول بعد انتهاج سياسات تخدم المرحلة.

اليوم الهمّ الأساسي هو الإرهاب الذي بُنِيَ على أيديولوجيّات صنعتها مجموعة، ولا أريد أن أقول من الحكومات أو الدّول، بل من الأنظمة التي أرادت توظيف الدين سلبيا من أجل خدمة أهدافها غير المشروعة.

حان الوقت الآن لاعتماد "الدبلوماسيّة الدّينيّة" بعيدا عن السّياسة والاقتصاد والثّقافة، لأن أشرار العالم اليوم يستغلّون الإخلاص الديني لدى المؤمنين، ليخلقوا أعداء وهميّين لهم ويشكّكوا في الآخرين وفي كلّ من يحمل معتقدا مختلفا، أو ميولا طائفية تختلف عنهم.

وقد نجحوا للأسف، خاصّة في دول العالم النّامي حيث غابت كلّ الآمال عن الشّباب من حاملي الشّهادات الجامعيّة، أو أصحاب الصّنائع، أوهموهم بأن اللّه ينتظرهم في الجانب الآخر بعيدا عن الدّنيا والواقع حيث المساواة وحياة الرّغد.

وبعد سنوات من توظيف الدّين واستغلاله من طرف القطريّين عبر رجال دين وثقت الشُّعوب المسلمة بهم في الماضي واعتبرتهم مصدرا موثوقا للفتاوى والقدوة، وتوظيف الأتراك للدّين لقمع شعوبهم والأقليّات المعارضة بين العراق وسوريّا، وفتح الأخطبوط الإيراني أذرعه في منطقتنا وبكلّ وقاحة ليجرّ تحت ظلام عباءته خيرة شبابنا.

حان الوقت لتنظيم صفوفنا وأفكارنا ووضع استراتيّجية دوليّة من أجل تفعيل منظومة دينيّة متناسقة، بين المسيحيّين والمسلمين واليهود وأصحاب كلّ الدّيانات على اختلافها.

المشكل الأساسي هو بناء وعي جماعيٍّ دوليٍّ من أجل تحضير الشّعوب على اختلافها لقبول الآخر، وقد يتطلّب هذا الموضوع سنوات أو عقودا لكن إذا ما نجحنا في تحقيقه فعليّا فإنّنا سننجح بالتّأكيد في القضاء على الإرهاب، والكراهيّة ورفض الآخر، وبالتّالي سيكون أنجح مشروع تاريخي على الإطلاق.

وفي حال نجاح هذا المشروع فإنّه بالتّالي سيغلق كلّ الفرص أمام الإيرانيّين والأتراك والإخونجيّة الذين استغلّوا الدّين لخدمة مآربهم الشّخصيّة.

ومن الجانب الآخر أمام الغربيّين الذين يريدون تشويه قداسة الدّيانات من أجل مآرب اقتصادية أو أيديولوجيّة.

والخطوة التي قامت بها دولة الإمارات من دعوة لبابا الفاتيكان فرنسيس وشيخ الأزهر والجمع بينهما في حوار إنساني في عام التّسامح في الإمارات، تعدّ من أهمّ الخطوات الدّولية، وسابقة تاريخية لجمعهما معا خارج أراضيهما لدعوة العام للتّسامح .

وقد تكون هذه الخطوة البذرة الأولى لنرى في وقت غير بعيد تجمّعا لمختلف الدّيانات والطّوائف، متقبّلين بعضَهم من أجل الإنسانيّة وحرّية العقيدة والرّأي.

الدبلوماسيّة الدّينيّة أصبحت أمرا حتميّا وليست خيارا، وهي اليوم أولوية تسبق الدبلوماسيات السياسية والاقتصادية والثّقافيّة.


الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات