الريال ضحية الانقسام في اليمن.. بنكان مركزيان وسياسة نقدية غائبة
منذ انقسام البنك المركزي اليمني قبل سنوات، لم تعد الأزمة اقتصادية فحسب، بل تحولت إلى واقع نقدي مزدوج أربك الأسواق، وعمق اضطرابات العملة، وألقى بظلاله على حياة المواطنين والقطاع المصرفي.
لم يعد الانقسام في اليمن يقتصر على الجغرافيا أو المشهد السياسي، بل امتد إلى قلب المنظومة المالية، بعدما أفرز وجود مصرفين مركزيين بسياسات نقدية متباينة، الأمر الذي انعكس على سعر الصرف، والسيولة، وحركة التجارة، وأداء البنوك، وأدى إلى تعقيد المشهد الاقتصادي في البلاد.
وتعود جذور هذا الانقسام إلى سبتمبر/أيلول 2016، عندما قررت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا نقل المقر الرئيسي للبنك المركزي اليمني من صنعاء إلى العاصمة المؤقتة عدن، في خطوة هدفت إلى استعادة السيطرة على إدارة السياسة المالية والنقدية.
إلا أن هذه الخطوة أسفرت عن وجود مصرفين مركزيين تابعين لطرفي النزاع، يتبنيان سياسات نقدية مختلفة، الأمر الذي ألقى بآثاره على القطاع المصرفي، وأثر في استقرار الريال اليمني وقوته الشرائية.
بوادر الانقسام
لم تمنع الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الشرعية البنك المركزي في صنعاء، الخاضع لسيطرة مليشيات الحوثي، من الاحتفاظ بالبنية التحتية، وأرشيف البيانات، ومعظم الكوادر الفنية والإدارية، إلى جانب استمرار سيطرته على أكبر المراكز المالية والتجارية والسكانية في البلاد.
في المقابل، حظي البنك المركزي في عدن بالاعتراف الدولي باعتباره المؤسسة النقدية الرسمية للجمهورية اليمنية، واحتفظ بالامتيازات المرتبطة بهذا الاعتراف، مستفيدا منه في طباعة أوراق نقدية جديدة خارج البلاد لتعويض نقص السيولة والإيرادات العامة.
وبالفعل، شرعت الحكومة الشرعية مطلع عام 2017 في تنفيذ سياسة توسع نقدي عبر إصدار طبعة جديدة من العملة الوطنية، بهدف سد العجز الكبير في السيولة والميزانية العامة، وتمويل صرف رواتب موظفي الدولة في المناطق الواقعة تحت إدارتها.
تقلبات في أسعار الصرف
أدى ضخ كميات جديدة من العملة إلى تقلبات متكررة في أسعار الصرف، وأسهم في تراجع قيمة الريال اليمني داخل مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دوليا.
وشهدت العملة الجديدة المتداولة في تلك المناطق، منذ يناير/كانون الثاني 2020، تذبذبا كبيرا، إذ تراوح سعر صرف الدولار الأمريكي بين 800 و1700 ريال يمني.
ويرجع هذا التذبذب إلى استمرار الحكومة في سياسة التوسع النقدي لسد العجز المالي حتى نهاية عام 2021، وهو ما أدى إلى زيادة كبيرة في الكتلة النقدية، مقابل تراجع النشاط الاقتصادي في مناطق سيطرتها.
ومنذ مطلع عام 2026، استقر سعر صرف الدولار عند 1558 ريالا للشراء و1582 ريالا للبيع في مناطق نفوذ الحكومة، في إطار سياسة انتهجها البنك المركزي في عدن لتعزيز استقرار السوق، والحد من المضاربات غير المشروعة، والتأكيد على قدرته في إدارة السياسة النقدية.
مضاربة حوثية
في المقابل، تبنت مليشيات الحوثي سياسات نقدية مغايرة خلال الفترة بين عامي 2017 و2019، شملت إصدار لوائح وإجراءات تنظيمية مختلفة، الأمر الذي انعكس على أداء البنوك التجارية والمؤسسات المالية، وأوجد حالة من عدم الاستقرار في القطاع المصرفي.
وتطور المشهد في يناير/كانون الثاني 2020، عندما حظرت المليشيات رسميا تداول الأوراق النقدية الجديدة التي أصدرتها الحكومة الشرعية داخل مناطق سيطرتها، ما أدى فعليا إلى وجود منطقتين نقديتين تتعاملان بإصدارات مختلفة من الريال اليمني.
كما استفادت المليشيات من انتشار 1122 شركة ومنشأة صرافة في شمال اليمن، مقابل 366 شركة صرافة مرخصة في جنوب البلاد، لفرض سعر صرف مختلف في مناطق سيطرتها، حيث بلغ سعر الدولار نحو 524 ريالا يمنيا وفق الطبعة القديمة من العملة.
وخلال عامي 2024 و2025، بدأت المليشيات سك عملات معدنية من فئتي 50 و100 ريال، وطرحت أوراقا نقدية مطبوعة محليا من فئة 200 ريال للتداول، وهي خطوة حذر منها البنك المركزي في عدن، معتبرا أنها عملة غير قانونية، وداعيا المؤسسات المالية إلى عدم التعامل بها تجنبا للمساءلة القانونية والعقوبات المرتبطة بالتعامل مع عملات صادرة عن جهة غير معترف بها.
القيود الحوثية
وفي هذا السياق، يرى المحلل الاقتصادي اليمني ذويزن التبعي، أن مليشيات الحوثي سعت، منذ قرارها الأول بحظر تداول الأوراق النقدية الجديدة، إلى تقليص المعروض النقدي من الريال في المناطق الخاضعة لسيطرتها، مقارنة بمناطق الحكومة المعترف بها.
وأشار، في حديثه لـ"العين الإخبارية"، إلى أن هذه الإجراءات حدّت من انتقال العملات الأجنبية من صنعاء إلى عدن نتيجة اختلاف الإصدارات النقدية، كما منحت الحوثيين قدرة أكبر على التحكم في سوق المال داخل مناطق سيطرتهم، إلى جانب إضعاف فعالية السياسات النقدية التي ينفذها البنك المركزي في عدن.
وبشأن سك وإصدار عملات جديدة في مناطق سيطرة الحوثيين، يرى التبعي أن هذه الخطوات جاءت لمواجهة تحركات البنك المركزي في عدن، وعرقلة جهوده لبسط نفوذه على القطاع المصرفي، خاصة بعد تصنيف البنك المركزي في صنعاء وعدد من قياداته ضمن قوائم العقوبات الأمريكية خلال السنوات الأخيرة.
إضعاف السياسة النقدية
من جانبه، يؤكد الخبير اليمني في الشؤون الاقتصادية عبدالسلام الأثوري، أن الانقسام النقدي والمصرفي يمثل أحد أبرز الأسباب التي عمّقت الأزمة الاقتصادية في اليمن.
وقال الأثوري، في تصريح خاص لـ"العين الإخبارية"، إن وجود مصرفين مركزيين بسياسات وإجراءات متباينة أدى إلى إضعاف إدارة السياسة النقدية، وخلق حالة من عدم اليقين، وتقسيم النظام المالي إلى سوقين منفصلتين.
وأضاف أن هذا الواقع انعكس في تراجع قيمة الريال اليمني، وتفاقم أزمة السيولة، وارتفاع تكاليف التحويلات والتجارة، إلى جانب إضعاف دور القطاع المصرفي وتراجع ثقة المتعاملين به.
التبعات على المواطنين والاقتصاد
وأوضح الأثوري أن المستفيدين من فروقات أسعار الصرف والمضاربات المالية ظلوا فئات محدودة، في حين كان المواطن اليمني والاقتصاد الوطني الطرف الأكثر تضررا، نتيجة ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وانخفاض معدلات الاستثمار.
ويرى الخبير الاقتصادي أن تعافي الاقتصاد اليمني واستعادة الاستقرار المالي لن يكونا ممكنين دون إعادة توحيد البنك المركزي تحت إدارة مهنية مستقلة ومحايدة، باعتبار ذلك الخيار الأكثر واقعية لإنهاء الانقسام النقدي، وتوحيد السياسة النقدية، واستعادة الثقة بالعملة الوطنية، وتهيئة بيئة ملائمة لاستئناف النشاط الاقتصادي وتحقيق التنمية.