قاتل صامت داخل الجدران.. لماذا يحذر خبراء الاستدامة من «المباني المريضة»؟
خلال العقود الأخيرة، لم يقتصر الاهتمام في مجال العمارة والتشييد على الشكل الجمالي، بل امتد إلى ما هو أبعد من ذلك ليشمل أيضًا صحة الإنسان، وضمان أنّ البيئة المحيطة بالمباني صحية.
هذا الاهتمام دفع الأغلبية لاتباع نهج المباني المستدامة، وتجنب المباني المريضة التي تؤثر سلبًا على صحة الإنسان واستقراره؛ وازدادت الحاجة للمباني المستدامة مع تصاعد وتيرة الاحتباس الحراري وارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، ما يتطلب تحقيق التكيّف مع الظروف المحيطة.
المباني المريضة
ظهر مفهوم المباني المريضة لأول مرة في سبعينيات القرن العشرين، عندما تمت صياغة مصطلح "متلازمة المباني المريضة" (Sick Building Syndrome)، بغرض وصف الحالات التي عاني فيها بعض شاغلي المباني من مشاكل صحية حادة، مثل التعب والصداع والإرهاق والحساسية وضيق التنفس وحرقان العين وضعف التركيز والحساسية، كل تلك الأعراض بدون ظهور مرض أو سبب طبي واضح ومباشر.
وتُعلق منار الديب، المهندسة الاستشارية في التنمية المستدامة، والباحثة الأكاديمية في جامعة الإسكندرية؛ موضحة أسباب المباني المريضة، التي تتضمن: ضعف التهوية ورداءة جودة الهواء الداخلي والاعتماد المفرط على الأنظمة المغلقة والمواد الصناعية.
وتُضيف قائلة لـ"العين الإخبارية" أنّ "هناك العديد من الدراسات التي أثبتت أنّ تلك البيئات قد تتسبب في التوتر والإجهاد وضعف التركيز وزيادة معدلات القلق، بل ويمتد الأمر لتؤثر على معدلات القلق وإنتاجية الأفراد وكفاءتهم في العمل والتعلّم".
المباني المستدامة
وتختلف المباني المستدامة عن المباني المريضة؛ إذ إنها تستخدم المواد الصديقة للبيئة الخضراء للبناء، وهي مبانٍ مُصممة لتقليل استهلاك الطاقة والمياه وتوفر راحة وصحة للمستخدم، كما تعيش بكفاءة لفترة أطول مقارنة بالمباني الأخرى، وتُعطي المباني المستدامة أولوية لاستخدام مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية، ما يُقلل من الانبعاثات الدفيئة والبصمة الكربونية للمباني بصورة عامة.
وتُشير منار الديب لدور المباني الذكية المستدامة، قائلة: "من الناحية الاقتصادية؛ فقد أثبتت المباني الذكية والصديقة للبيئة قدرتها على تقليل فواتير استهلاك الكهرباء والمياه بشكل ملحوظ؛ نتيجة الاعتماد على أنظمة التهوية الطبيعية والعزل الحراري وإدارة الطاقة بكفاءة".
وتُضيف: "تتميز هذه المباني بارتفاع عمرها الافتراضي وانخفاض تكاليف الصيانة مقارنة بالمباني التقليدية الحديثة التي تعتمد على الحلول السريعة وغير المتوافقة مع البيئة المحلية".
وتابعت: "أما على المستوى الإنساني؛ فإنّ جودة التصميم البيئي داخل المباني تنعكس بشكل مباشر على الصحة الجسدية والنفسية للأفراد؛ فالمساحات جيدة التهوية والإضاءة الطبيعية والخالية من التلوث الداخلي تساعد على تحسين الحالة المزاجية وتقليل التوتر وزيادة الإنتاجية والتركيز، سواء في أماكن العمل أو في المنازل أو المؤسسات التعليمية. لذلك، أصبح الحديث عن العمارة المستدامة اليوم مرتبطًا ليس فقط بالحفاظ على البيئة، بل أيضًا بتحسين جودة الحياة الإنسانية بشكل شامل".
وأخيرًا، يساعد اتباع نهج مستدام في المباني على تعزيز الصحة العامة وحماية الأفراد من التلوث وفي نفس الوقت، تقليل الانبعاثات الدفيئة، وتعزيز مبادئ الاستدامة.