تحركات أوروبية بهرمز.. ردع لإيران واختبار للاستقلال عن واشنطن (خاص)
مرحلة جديدة من التصعيد غير المباشر بين القوى الغربية وإيران بدأت بتحركات أوروبية في مضيق هرمز.
وتقود بريطانيا وفرنسا تحركًا يضم أكثر من 40 دولة في اجتماع رفيع المستوى يُعقد الثلاثاء، لبحث خطط عسكرية وتأمين الملاحة في الممر الحيوي، بعد قرابة شهر من إعلانهما، بلورة خطة عسكرية لتأمين مضيق هرمز، من شأنها أن تتيح استئناف حركة الملاحة التجارية في هذا الممر الحيوي.
ويوم السبت أعلنت بريطانيا، أنها سترسل السفينة الحربية «إتش إم إس دراغون» إلى الشرق الأوسط، بعد أسبوع من تأكيد باريس نشر مجموعة حاملة الطائرات الهجومية في البحر الأحمر، ضمن إطار التخطيط لمهمة محتملة لتأمين مضيق هرمز.
تحركات لا تمثل مجرد انتشار عسكري تقليدي، بل تعد اختبارا مباشرًا لقدرة أوروبا على لعب دور أمني مستقل في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم، في وقت لا تزال فيه التوترات بين إيران والغرب قابلة للاشتعال في أي لحظة، بحسب خبراء استطلعت «العين الإخبارية» آراءهم.
سياسة ردع أوروبية
وإلى ذلك، قال أستاذ العلوم السياسية الفرنسي في معهد الدراسات الاستراتيجية الفرنسي المتخصص في الدفاع الأوروبي إيلي تينيبوم لـ"العين الإخبارية" إن التحرك الفرنسي البريطاني حول مضيق هرمز يمثل سياسة ردع أوروبية تجاه إيران، كما يعتبر إعادة تموضع أوروبي تدريجي في الأمن البحري.
وأوضح تينيبوم، أن فرنسا وبريطانيا تسعيان إلى إثبات قدرة أوروبية مستقلة نسبيًا في إدارة أزمات الملاحة الدولية، وخاصة في الممرات الاستراتيجية مثل مضيق هرمز، بعيدًا عن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.
وأشار تينيبوم إلى أن نشر حاملة الطائرات الفرنسية والمدمرات البريطانية لا يعني استعدادًا لحرب مباشرة، بل يمثل “رسالة ردع سياسية وعسكرية” تهدف إلى منع انهيار الوضع الأمني دون تصعيد شامل.
تحديات لوجستية
وحذر من أن بعض التحركات البحرية، خصوصًا البريطانية، تكشف عن تحديات لوجستية وتقنية داخل القوات البحرية الأوروبية، بما في ذلك صعوبات الصيانة وسرعة الانتشار في مناطق بعيدة.
من جانبه، قال نائب مدير مؤسسة الشؤون الاستراتيجية الدولية برونو تيرتري لـ"العين الإخبارية" إن التحرك الفرنسي–البريطاني نحو مضيق هرمز يجب فهمه ضمن سياق أوسع يتعلق بـ“إعادة تشكيل دور أوروبا العسكري خارج المظلة الأمريكية المباشرة".
واعتبر تيرتري، أن نشر وحدات بحرية مثل حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول والمدمرات البريطانية لا يعني استعدادًا لتدخل عسكري مباشر، بل يمثل ما يسميه “حضورًا ردعيًا منخفض الحدة”، هدفه الأساسي: منع انهيار الوضع الأمني دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة.
وبحسب نائب مدير مؤسسة الشؤون الاستراتيجية الدولية، فإن أوروبا تعاني من "فجوة بين الطموح السياسي والقدرة العملياتية"، أي أن الدول الأوروبية قادرة على إظهار القوة، لكنها ما تزال تعتمد لوجستيًا واستخباراتيًا على الولايات المتحدة في إدارة الأزمات الكبرى.
وأشار تيرتري إلى أن مثل هذه العمليات البحرية في مناطق بعيدة تكشف حدود القدرة الأوروبية على الاستمرار طويلًا في بيئات عالية التوتر، خصوصًا في ظل مشاكل الصيانة والتموين والتنسيق بين القوات متعددة الجنسيات.
رسائل سياسية
ورأى أن هذه التحركات “رمزية بقدر ما هي عملياتية”، أي أنها تحمل رسالة سياسية أقوى من تأثيرها العسكري الفعلي على الأرض.
واعتبر أن الانتشار البحري الفرنسي–البريطاني في محيط مضيق هرمز يعكس "تطبيعًا تدريجيًا لدور أوروبا كفاعل أمني مستقل نسبيًا"، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن هذا الدور يظل “محدودًا ومقيدًا” بعوامل سياسية وتقنية.
وأشار إلى أن الهدف الأساسي من هذه التحركات، ضمان استمرار تدفق التجارة العالمية، خصوصًا النفط والطاقة، في واحدة من أهم الممرات البحرية في العالم.
وحذر من أن هذا النوع من الانتشار العسكري قد يحمل مخاطر “سوء التقدير الاستراتيجي”، خاصة إذا تداخل مع عمليات أمريكية أو ردود فعل إيرانية غير متوقعة.
وأكد أن التحدي الحقيقي أمام أوروبا ليس في نشر السفن، بل في «تحويل هذا الانتشار إلى قدرة ردع مستدامة ومتكاملة سياسيًا وعسكريًا»، وهو ما لا يزال بعيدا عن التحقيق حتى الآن.