سياسة

الضلال الاستراتيجي

الأربعاء 2018.8.15 06:48 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 1107قراءة
  • 0 تعليق
د. نصر محمد عارف

الضلال في قواميس اللغة العربية هو "العدول عن الطريق المستقيم عمدا أَو سهوا، كثيرا أَو قليلا"، وهو أمر خطير؛ لأن من يفقد الطريق لا يصل إلى وجهته، ولا يحقق أهدافه، وقد لا يستطيع العودة من حيث أتى، لأنه فقد الطريق، ودخل في صحراء التيه، حيث كل الأشياء تشبه بعضها، وحيث لا علامات ترشده، ولا خارطة تقود سيره، وأصبح كالأعمى في البيداء، وقد ضاع من كفه العكاز والهادي.

حين تصادمت مصالح تركيا وإيران مع مصالح الولايات المتحدة الأمريكية اكتشفت حكومة قطر مدى الضلال الاستراتيجي الذي وقعت فيه، لقد غاصت أقدامها في رمال الربع الخالي، وقد لا تعود من التيه الكبير الذي ذهبت فيه بعيداً

الضلال هو أسوأ ما يصاب به الإنسان العادي، لأنه يعني أن هذا الإنسان قد ضاع، ولا سبيل لاسترجاعه، أو استرداد وجهته إلا إذا جاءته الهداية من مصادرها، أما إذا أصاب الضلال قيادات الدول والحكومات فإنها كارثة عظمى، لأن ذلك سيكون دماراً لا تحمد عقباه على شعوب وأمم؛ ففي هذه الحالة لن يكون ضلالا فرديا عاديا، بل سيكون ضلالا كليا جماعيا، يتعلق بوجود الشعوب والأمم ومصالحها العليا، أو ما يسميه البعض الأمن القومي، وهنا يكون الضلال استراتيجيا، لأنه يصيب المصالح الكبرى، والأهداف العظمى، والحركة التاريخية للجماعات البشرية الكبيرة ممثلة في شعوب ودول وأمم.

ومع تعدد وتوالي الأزمات التي تلم بالدول العربية يتضح بجلاء مدى وعمق وضخامة الضلال الاستراتيجي الذي تعيش فيه الكثير من الدول والجماعات السياسية، ولعله بضرب المثال يتضح المقال:

أولاً: ما أن اختلفت حكومة دولة قطر مع أشقائها في السعودية والإمارات حتى ألقت بنفسها في أحضان تركيا وإيران، وصارت تتبنى مصالح تركيا وإيران، وتدافع عنها في مواجهة أشقائها وجيرانها، بل إن حكومة قطر والمرتزقة العاملين فيها من مختلف الجنسيات العربية صاروا أكثر ملكية من الملك، فصاروا في مقدمة الصفوف هجوماً على الشقيقين: السعودية والإمارات، ودفاعا عن الجارين اللدودين: تركيا وإيران في أي مسألة تتصادم فيها مصالح الشقيقين العربيين مع الجارين اللدودين، حين تصادمت مصالح تركيا وإيران مع مصالح الولايات المتحدة الأمريكية اكتشفت حكومة قطر مدى الضلال الاستراتيجي الذي وقعت فيه، لقد غاصت أقدامها في رمال الربع الخالي، وقد لا تعود من التيه الكبير الذي ذهبت فيه بعيداً.

ثانياً: بعد أن تمكن أردوغان من المجتمع والدولة في تركيا لم يعد يلقي بالا لأحد، ولا يعطي وزنا لأحد، فقد سيطر عليه وهم العثمانية الجديدة، وصار سلطاناً متوجاً في قصر الألف غرفة، فمرة يهاجم أوروبا، وأخرى يسخر من مستشار النمسا لصغر سنه، وثالثة يتهم ألمانيا وهولندا بالنازية، ورابعة يقطع المياه عن العراق وسوريا.. إلخ، لقد استغنى السلطان، ولا يقبل إلا أن يكون الجميع أتباعاً، أو خائفين من السلطنة العثمانية التي أرعبت أوروبا لقرون، وبعد أن دخل اقتصاد بلده في أزمة خانقة صنعها هو بخطاباته الصبيانية المراهقة، التي تنطلق من عقل ناشط سياسي يرأس اتحاد طلبة مدرسة ثانوية أو كلية متوسطة وليس رئيس دولة، بعد أن أوشكت دولته على الانهيار وبدا له ضياع أحلامه اكتشف أنه قاد دولته بعيدا في الضلال الاستراتيجي، فلم يعد عنده صديق يوثق به، خسر حلفاء الأطلسي، ولم تبق إلا إيران المأزومة، وروسيا التي تتلاعب به لترتيب الملف السوري.

هنا يلتقي أردوغان رئيس الوزراء العراقي المنتهية مدته حيدر العبادي، ليتراجع عن كل تهديداته للعراق، وعن مشروعاته المائية التي أسهمت في تفاقم أزمة الجفاف في العراق، ولكن.. هل ستساعد مثل هذه التحركات في إعادة أردوغان من حالة الضلال الاستراتيجي التي وقع فيها وخسر كل الأطراف من أجل أهداف مراهق حالم؟ خسر السعودية والإمارات من أجل حاكم قطر، وخسر مصر من أجل جماعة فاشلة، وخسر أوروبا من أجل دعاية انتخابية، هل سيفلح أردوغان في العودة من تيه الضلال؟

ثالثاً: ضلال إيران فاق كل ضلال، فقد كان ضلالاً استراتيجياً جغرافياً وتاريخياً، فقد توهم نظام كهنوت قرون الظلام أنه قادر على إعادة تشكيل الجغرافيا، وإعادة بعث التاريخ الإسلامي بكل مآسيه وأوجاعه وآلامه، وتوظيفه لإحياء وتجديد تاريخ قومي عنصري فارسي، ورسم جغرافيا جديدة تناسب ذلك التاريخ العنصري، فتآمر على تدمير العراق وسوريا واليمن، وتفتيت لبنان وفلسطين والبحرين، وتفجير فتن مذهبية في معظم الدول الإسلامية في أفريقيا وآسيا، ثم أفاق كهنة نظام ولاية الفقيه ـ غير الفقيه بأمر السياسة الدولية ـ على صورة دونالد ترامب، يوقظ ظريف ولاريجاني وسليماني من حلم الإمبراطورية على واقع الحصار الاقتصادي الذي يحرم الشعب الإيراني من موارده وخيراته؛ حتى تتخلى حكومته عن أحلام الإمبراطورية، وتتوقف عن إرباك الإقليم وإشعال الفتن فيه.

اكتشف نظام الملالي بعد أربعة عقود أنه كان في ضلال استراتيجي كبير، في تيه مثل تيه بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر مع نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام، وأنه لا يوجد لإيران صديق إلا في قطر التي تأوي أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط، وفي تركيا التي صارت عاجزة عن تحقيق مصالحها حتى تساعد إيران، وما عدا ذلك هناك مليشيات في لبنان واليمن والعراق، إن الضلال الاستراتيجي الإيراني لا يليق بالتاريخ الفارسي في الحكم والحكمة والسياسة.

هذه نماذج صارخة للضلال الاستراتيجي، وعليها يمكن قياس ضلال جماعات ودول أخرى مثل مليشيا الحوثي وحزب الله، والمليشيات الليبية، والجماعات المسلحة السورية، وجماعة الإخوان الفاشلة وكل امتداداتها في العالم.. الضلال الاستراتيجي هو فقدان للوجهة والاتجاه، وضياع للبوصلة في بحر الظلمات، أو بحر الرمال المتحركة، حيث لا نجاة إلا بالعودة إلى بداية الطريق.


الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات