سياسة

إدلب: امتحان النوايا والأفعال

الأربعاء 2018.10.3 07:49 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 290قراءة
  • 0 تعليق
د. سمير صالحة

بعد أيام على ولادة تفاهم سوتشي الروسي التركي برزت نقاط إشكالية في الاتفاق، خاصةً موضوع سحب السلاح الثقيل من يد الفصائل العسكرية ودخول الدوريات الروسية إلى المنطقة التي تقع تحت إشراف الجيش السوري الحر وتراجع قوى المعارضة إلى خارج المنطقة العازلة. لكن المقلق أكثر كان الحديث حول وجود بنود غامضة في الاتفاق تتعلق بسحب الأسلحة الثقيلة وإخراج قوى المعارضة السورية من المنطقة العازلة المتفق عليها والسماح بدخول القوات الروسية النظامية إلى مناطق وجودها.

 رغم مرور نحو 3 أسابيع على تفاهمات "سوتشي" الروسية التركية ما زال موضوع إدلب واحتمال تحوله إلى مصيدة روسية تسقط فيه أنقرة ويطيح بكل خططها السورية الهاجس الأول الذي يقلق الأتراك

المتفق عليه بين موسكو وأنقرة، هو إنشاء منطقة منزوعة السلاح وعازلة في الوقت نفسه، تفصل بين قوات المعارضة وقوات النظام السوري. قوات تركية وروسية تراقب المنطقة منزوعة السلاح وتضمن الأمن فيها. قوات المعارضة السورية تبقى في أماكنها في إدلب بضمانة تركية.

تريد تركيا البقاء في إدلب، عبر التوافق مع روسيا، وتأمين عمق مناطق "غصن الزيتون" و"درع الفرات" من أي تهديد يسمح بعودة سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" على عفرين وتل رفعت. وإبعاد شبح موجات لجوء جديدة باتجاه أراضيها في حال وقوع الكارثة في المنطقة، لكن تركيا أخذت على عاتقها مسؤولية التعهد بحسم موضوع الجماعات المتشددة المحسوبة على بقايا النصرة هناك وهي المادة الأولى والأهم في اتفاقية سوتشي التي لا يتحدث عنها أحد.

التوافق على سيناريو لتسوية الوضع شمال غرب سوريا بما يراعي المخاوف التركية والتطلعات الروسية يزداد صعوبة أمام الدخول الأمريكي على الخط. ما يقلق أنقرة أكثر هو احتمال وجود تفاهمات أمريكية روسية في موضوع إدلب ستتبعها تفاهمات حول شرق الفرات.

قد تستفيد واشنطن من انفجار الوضع في إدلب لأنه سيطيح بالتحالف الثلاثي الروسي الإيراني التركي في سوريا. لكن وقوع المواجهة العسكرية في إدلب يخدم روسيا أيضا التي تريد أن تخرج منتصرة من هناك سواء وقعت المعارك أم لم تقع. وهذا ما يعني بالتالي صعوبة الموقف التركي في المنطقة واستحالة نجاح المعادلة التركية التي تقوم على لعب الورقة الأمريكية ضد روسيا والورقة الروسية ضد أمريكا.

 الرهان التركي الروسي في إدلب هو على تدشين مرحلة جديدة في الملف السوري يكون فيها لأنقرة وموسكو الحصة الكبرى في رسم خارطة المستقبل السياسي في سوريا على حساب الكثير من اللاعبين المحليين والإقليميين. لكن مفاجأة واشنطن في شرق الفرات والإعلان عن ولادة تفاهم موسع بقيادة أمريكية إقليمية لمتابعة تطورات المشهد السوري قلب الحسابات التركية الروسية رأسا على عقب.

لذلك من المبكر جدا الحديث عن إنجاز تركي روسي في إدلب قبل أن تتضح صورة التفاهمات الإقليمية والدولية حول قضايا الحل السياسي في سوريا وكيفية الوصول إليه.

رغم مرور نحو 3 أسابيع على تفاهمات "سوتشي" الروسية التركية ما زال موضوع إدلب واحتمال تحوله إلى مصيدة روسية تسقط فيه أنقرة ويطيح بكل خططها السورية الهاجس الأول الذي يقلق الأتراك.

في العلن قد تكون مواقف الفصائل السورية المعارضة الرافضة للانسحاب من المنطقة العازلة والمعترضة على دخول القوات الروسية إلى مناطق وجودها هي العقدة أمام تنفيذ اتفاقية سوتشي، لكن أسباب التصعيد والتوتر الحاصل قد تكون أبعد من ذلك: هناك أولا العودة الأمريكية إلى قلب المشهد السوري بهذا الشكل السريع والمفاجئ، وهناك ثانيا القمة السباعية التي بدأت تتحرك باتجاه حل الأزمة السورية في إطار الاتفاقيات والقرارات الدولية والأممية وفي مقدمتها تفاهمات جنيف. وهناك أيضا احتمال تراجع منصة الأستانة الثلاثية بسبب التصعيد الأمريكي والإقليمي ضد إيران وسياساتها السورية والإصرار على إخراجها من المعادلة، ما يعني إرباك السياسات التركية والروسية في الملف السوري. وهناك كذلك أزمة الثقة التي بدأت تتفاقم بين أنقرة وموسكو حول الدخول الألماني والفرنسي على الخط ووجود باريس وبرلين في القمة الرباعية الروسية التركية والقمة السباعية، ما يزيد من قلق موسكو وأنقرة حول تراجع نفوذهما ودورهما في سوريا.

موسكو وأنقرة أمام أزمة أخرى اسمها الضغط قدر الإمكان على الطرف الآخر لانتزاع المزيد من التنازلات بعدما كانت التنظيمات المتطرفة والمتشددة تحتل مركز الثقل في اتفاقية سوتشي الأخيرة. فوجدنا الروس والأتراك يناورون عبر لعب أوراق جديدة، حيث بدأت الفصائل ترفض الدخول العسكري الروسي إلى المنطقة العازلة، وبدأ النظام، كما أعلن الوزير السوري وليد المعلم، يجدد مطالبته بالدخول إلى إدلب مطالبا أنقرة بسحب المسلحين الذين أدخلتهم إلى شمال سوريا بالطرق التي سهلت دخولهم إليها.

 عملية خلط أوراق جديدة تهدد بالإطاحة باتفاقية سوتشي، لكن السبب هو ليس المواقف التركية والروسية وحدها، بل التحرك الأمريكي الإقليمي باتجاه استرداد المبادرة في الملف السوري وقطع الطريق على مشروع موسكو في الأكل مرة أخرى من جميع الصحون دون أن تسمح لأي كان الاقتراب من صحنها هي.

 أردوغان وبوتين يحاولان لفت الأنظار نحو شرق الفرات والتركيز على الوجود والنفوذ الأمريكي هناك للتعتيم على خلافاتهما لمرحلة ما بعد سوتشي في شمال غرب سوريا، مع أنهما يعرفان جيدا استحالة تفاهمهما بمثل هذه البساطة حول الملف الكردي بشقه السوري. ما تقوله مسودة الدستور الروسي حول الحالة الكردية في سوريا الجديدة هو أقرب إلى وجهة النظر الأمريكية مما تقوله وتطالب به أنقرة.

احتمال آخر يقلق الأتراك وهو أن تتحول خطة سوتشي في إدلب إلى حرب استنزاف روسية تبعثر أوراق تركيا وحلفائها المحليين هناك. وهذا هو ربما ما يدفع تركيا للتصعيد غير المباشر ضد موسكو عبر قيادات في المعارضة السورية ترفض بعض بنود الاتفاق، ما يقود موسكو بالمقابل لتحريك النظام في دمشق لتذكير أنقرة بأن الخيار الوحيد أمامها خارج تفاهمات سوتشي هو تحمل نتائج المواجهة العسكرية الشاملة على جميع الجبهات في شمال سوريا.

أزمة إدلب حتى ولو سوتها تركيا وروسيا فهذا لن يعني أن البلدين يملكان قوة تحديد شكل التسويات في سوريا والسبب في ذلك هو عودة العديد من اللاعبين في المنطقة إلى المشهد السوري وعلى رأسهم أمريكا التي بدأت تعد لتشكيل تكتل إقليمي جديد لا مكان لأنقرة وموسكو فيه.

تضمن البيان المشترك للقمة الثلاثية الروسية التركية الإيرانية التي استضافتها أنقرة، رفض كل المحاولات الرامية لخلق واقع ميداني جديد في سوريا تحت ستار مكافحة الإرهاب. ألا تحمل تفاهمات سوتشي الروسية التركية حالة سياسية وأمنية وجغرافية جديدة في إدلب تتعارض مع ما ذكره بيان أنقرة؟ المشكلة الكبرى ستكون حتما إذا ما صحت أقوال البعض حول أن تفاهمات سوتشي التركية الروسية تمت دون علم وموافقة الأطراف السورية المحلية في الحكم والمعارضة، وأن كل ما يطلب منها هو الالتزام بالتنفيذ.


الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات