سياسة

سوريا.. مَنْ يكتب الدستور؟

الأحد 2018.6.24 10:09 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 772قراءة
  • 0 تعليق
حسين الشيخ

"السوريون هم من يكتبون دستورهم" لعلّها العبارة الأكثر ترديداً طوال الفترة الماضية، والتي بدأت فيها الأطراف الدولية والأمم المتحدة على وجه التحديد طرح موضوع الدستور وكتابة فصوله كنقطة بداية لتحريك مسار الحلّ السياسي للأزمة السورية، خاصة بعد الركود الذي أعتلى الملف السوري وانحدار الاهتمام الدولي بهذه القضية إلى أدنى مستوياته.

العبارة هذه رددتها الحكومة والمعارضة على حدٍّ سواء، وكلاهما لم ينجح بما وعد فيه، فلا الدولة السورية قادرة على تجاوز المطالب الروسية والإيرانية، ولا المعارضة لديها الجرأة لكف يد تركيا عن التدخل في هذا المفصل الهام لمستقبل البلاد.

بغض النظر عن أسماء الشخصيات التي قدمها كلُّ من النظام، وكذلك المعارضة للمبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، يبقى السؤال الأكثر جدلية ويحتاج إلى إجابة شافية ووافية هو مامدى مقدرة هؤلاء في التأثير وجرّ القلم من يد الروسي والإيراني والتركي، وكتابة ماهو مناسب للسوريين بعيداً عن إرضاء هذا الطرف أو ذلك؟

مَنْ سيكتب الدستور ليس السوريون وحظَّهم من ذلك الاسم فحسب، فالحبر إيراني والقلم تركي واليد روسية، وهذا لن يكون بعيداً عن معنى كلمة "دستور"، إذ رجح علماء اللغة العرب رجوع المعنى إلى الفارسية، ويعني التكوين أو النظام وتم نقله للعرب عبر الأتراك، وهذا مايبحث عنه الطرفان الآن بتهميش دولة ذات تاريخ عريق اسمها سوريا

في الواقع حجم الضغوط كبيرة على الطرفين المتنازعين هو الفصل في هذا الموضوع، وهذا ماتجلى مؤخراً حين بدأت الأطراف المعارضة بمحاولة تسليم الجانب التركي راية الراعي الوحيد للمعارضة، وبالتالي القبول بتفرد أنقرة وأحقيتها برفع الأسماء التي تراها متوافقة ورؤيتها لمفهوم الحل بعيداً عن ما هو ناجع للسوريين لصالح طموح حزب العدالة والتنمية بإيصال من يتشاطرون وإيّاهم من الشخصيات السورية المعارضة ذات الأيدولوجية المتوافقة مع أنقرة.

بالطبع ماقامت به بعض هذه الشخصيات التي تردد اسم تركيا وتحتفي برئيسها رجب طيب أردوغان أكثر من حديثها عن ضرورة إيجاد حلِّ يسهم بوقف نزيف الدم السوري، هي ذاتها تولت مناصب قيادية فيما سبق وتنتمي في معظمها للائتلاف السوري المعارض الذي يتخذ من تركيا مقراً له وباءت بالفشل لأمرين اثنين:

الأول المعارضة الشدديدة من الهيئة العليا للمفاوضات، والتي تستند للقرار الأممي 2254 باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة بذلك .

الأمر الثاني هو رفض الدول العربية، ومنها مصر على وجه التحديد، ماتقوم به تركيا في هذا الشأن، وهذا ماقاد وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى لقاء هيئة التفاوض وبحث هذا الموضوع على وجه التحديد، والتأكيد على استقلالية قرار المعارضة ورفض الخروج من مسار جنيف إلى آستانة وسوتشي التي كان للعنصر الموالي لأنقرة من المعارضة السورية صوتٌ عالٍ، ولذلك لم يقبل المبعوث الأممي دي ميستورا لقاء أحمد الجربا رئيس تيار الغد وقدري جميل عضو منصة موسكو والشخصيات التي تبحث عن دور لها خارج إطار الهيئة العليا للمفاوضات.

هذا عن المعارضة، فماذا عن دور دمشق والأسماء التي في غالبها من حزب البعث الحاكم في سوريا؟ وكيف ستتعامل الحكومة مع المطالب الروسية التي قد تصل إلى درجة كانت من المحرمات فيما سبق، وهي البحث بصلاحيات الرئيس وموضوع الترشح لولاية رئاسية جديدة؟. 

حقيقة لن يكون الخلاف بين دمشق وموسكو كبيراً وثمة أطراف داخل الحكومة تفضل التفاهم مع الروس والتنسيق معهم على حساب النفوذ الإيراني، على عكس ماهو متوقع بين موسكو وطهران، إذ ستدفع الأخيرة باتجاه تمكين الجانب المساند له على النهوض من جديد، واستلام زمام الأمور بما يحفظ لها مصالحها وتوسعة نفوذها أكثر، وهذا ماسيتعارض مع النظرة الروسية التي تبحث عن ثمن تدفعه للدول المناوئة لها في الملف السوري لتصل إلى حلِّ ينهي غوصها أكثر في الأزمة السورية؛ بما ينعكس عليها سلباً للناحيتين العسكرية والاقتصادية، خاصة مع ازدياد الفاتورة التي تدفعها موسكو من ولوج قدمها عسكرياً الأرض السورية.

لايمكن للأطراف السورية التحرر من الضغوط الخارجية موالاة ومعارضة، فكلا الطرفين سيقدم ما هو أكبر وأثقل للخارج، وتفضيلهما ذلك على التنازل والتضحية لبعضهما البعض، وهذا مايقودنا للقول بأنّ من سيكتب الدستور ليس السوريون وحظَّهم من ذلك الاسم فحسب، فالحبر إيراني والقلم تركي واليد روسية، وهذا لن يكون بعيداً عن معنى كلمة "دستور"، إذ رجح علماء اللغة العرب رجوع المعنى إلى الفارسية ويعني التكوين أو النظام وتم نقله للعرب عبر الأتراك، وهذا مايبحث عنه الطرفان الآن بتهميش دولة ذات تاريخ عريق اسمها سوريا، والقضاء على هوية السوريين وإبعادهم أكثر عن محيطهم العربي.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات