سياسة

رسالة من إخواني

الخميس 2018.12.27 03:52 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 709قراءة
  • 0 تعليق
فهد ديباجي

‏أضع بين أيديكم رسالة "إخواني سابق" عاصرهم وعايشهم لأكثر من عشر سنوات، أحببت أن أوردها لكم كما وصلتني دون تحريف أو حذف أو إضافة، عقد من العمر مضى في مضارب الإخوان المسلمين كما يدعون إيهاماً لبسطاء الشعوب العربية، وتغريراً بشريحة الشباب المراهقين الذين تغرهم الشعارات البراقة وتستهويهم القضايا التي يتغنى منظرو ومفكرو الإخوان المفلسين (تحرير القدس، العدل والمساواة، الديمقراطية).

‏طفقت أسائل نفسي لمَ أولئك الإخوان لا يرون ولا يسمعون ما يراه ويسمعه العامة أم أن لهم مصادرهم الخاصة؟ وكم كان يصمني عند سؤالي لمشايخهم عن مصادر معلوماتهم فيردون بكل برود أخبرنا الثقات، وتيقنت بأنهم حين يذكرون الثقات بأنه الكذب والتدليس بعينه

صرت إخوانياً من حداثة سني وسطحية تفكيري ووقوعي في شرك مؤلفات كتاب الإخوان التي عجت بها المكتبات ودور النشر العربية آنذاك، في غياب حضرة الرقيب وغمرة الطوفان الإعلامي الطاغي الذي عكف كُتابه على تقديم صور مظلوميتهم والتنكيل بهم في السجون والمعتقلات.

‏كانت قراءاتي مكثفة في كتب ومناهج الإخوان وآلياتها التنفيذية وأساليبهم في تكثير سوادهم واستقطاب أتباعهم، بينما أنا كذلك إذ جرت الأقدار بوفاة والدي -رحمه الله- أُصبت بصدمة لم أفق من هولها إلا وأنا في أحضان الإخوان الانتهازيين بكل ما تحمله الكلمة من معنى ومضمون، وجدتهم حولي بخيلهم ورجلهم متفننين في دعمي نفسياً ووقوفهم إلى جواري.

‏بدأت رحلتي بزيارات مستفيضة لقياداتهم وإشراكي في حلقات ومجالس ذكر، ورحلات خلوية وبحرية ومخيمات أسبوعية وشهرية ودورية مبرمجة بدقة مختارة موضوعاتها بعناية فائقة، بدءاً بكتب الرقائق ومواعظ الجنة والنار وقراءة سير أبوالأعلى المودودي وحسن البنا وفتحي يكن وزينب الغزالي ومحمد أحمد الراشد، واستقطاب رجال علم من المنضوين تحت لوائهم الإخواني ليغرسوا تدريجياً معتقدات وفلسفة ومناهج الإخوان في فكر ووجدان الناشئة من المراهقين بطرائق غير مباشرة، تمهيداً لمراحل قادمة يبشرون فيها بصيرورتهم أعضاء في الحزب الإخواني، آخذين منهم البيعة للمرشد العام عن بعد، جاعلين من السرية والتخفي جسراً لبلوغ أهدافهم حتى أبلغت برغبتهم بانضمامي للحزب وأخذوا مني العهد والبيعة.

‏شرعوا بعدها في تلقيني جرعات سياسية مكثفة، مختلقين قصصاً وأكاذيب عن جور الحكام العرب وبطشهم بشعوبهم، وتزويدي بمنشورات خطية مزيفة عن هدر المال العام ومصادرة الحريات وقمع رجال الدين، وإيداعهم السجون ظلماً وزوراً، مستشهدين بإعدام سيد قطب وسجن قيادات الإخوان وأتباعهم، وإيهامي كسائر الملتحقين بهم بأن الحكومات العربية غير إسلامية، وأنها توالي الغرب الكافر وتخضع للنفوذ الأمريكي وراضية ببقاء فلسطين محتلة إسرائيليا.

‏جُهزت تماماً لحمل الراية كنقيب في إحدى الأسر وأعْدِدْتُ لإقامة دروس ومحاضرات ودورات تدريبية للقادمين الجدد للجماعة، وتمكنوا من أخذ زمام انقيادي لهم بتحصيني فكرياً ضد هيئة كبار العلماء بأنهم علماء سلطان لا يعتد بأقوالهم ولا بفتواهم، فكانوا يصابون بهوس إن ذكر العالمان الجليلان عبدالعزيز بن باز ومحمد بن  عثيمين -رحمهما الله-، وكانوا يدعون الشباب من كل حدب وصوب لحضور محاضرات الدعاة إلى الفتنة والحزبية، وأخذ كل ما يطرحونه من أفكار على أنها مسلمات وحقائق غير قابلة للنقاش، وكأنها آيات قرآنية وأحاديث نبوية.

‏كان كل ذلك إبان ما أسموه بالصحوة في التسعينيات، وإركاب كثير من الشباب موجتها وإقناعهم بأنهم جيل النصر المنشود القادر على مقارعة الحكومات والتصدي لسياساتها القمعية، ووصولا لغاياتهم شرعوا في تغييب الحس الوطني وتوجيه بوصلة الولاء ليس للحاكم وإنما للمرشد، وحاربوا كل برامج تربوية تنمي الحس الوطني والانتماء للأوطان بحجة الانتماء للأمة، وأن الوطنية محض افتراء ولا تجوز شرعاً، ليخلقوا أجيالا فاقدي الهوية الوطنية مغيبين عن شؤون وشجون أوطانهم بعد أن زرعوا بذور الحقد والكراهية للحكام في قلوب الشباب وجعلوهم قنابل موقوتة ضد أوطانهم، فكان نتاجهم شباباً متهورين ناقمين مؤمنين بأن الحكام العرب عدوهم الأول وواجب قتالهم وتدمير أوطانهم بالانتحار والتفجير وقتل المستأمنين وترويع الآمنين ولو كانوا آباءهم وذويهم، واعتبار كل ذلك جهاداً في سبيل الله.

‏تلك هي رحلتي مع الإخوان عشتها بكل تفاصيلها، وعايشت أحداثاً جساماً مروعة وقف وراءها أولئك الخارجون عن الملة الإسلامية، الشاقون لعصا الطاعة على ولاة الأمر.

‏الحقيقة كان في النفس شيء وأشياء من قلتهم القليلة مقارنة بعامة الناس، التي لا ترى ما يراه الآخرون من إقامة للشريعة في بلاد الحرمين وعمارة البيتين الشريفين وخدمة حجيج الرحمن، ومناصرة علنية للقضية الفلسطينية ودعم مليار مسلم عبر هيئة كبار العلماء والمحاضرات والندوات التوعوية، ونشر الإسلام في ربوع المعمورة، وإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتطبيق الحدود الشرعية.

‏فطفقت أسائل نفسي لمَ أولئك الإخوان لا يرون ولا يسمعون ما يراه ويسمعه العامة أم أن لهم مصادرهم الخاصة؟ وكم كان يصمني عند سؤالي لمشايخهم عن مصادر معلوماتهم فيردون بكل برود أخبرنا الثقات، وتيقنت بأنهم حين يذكرون الثقات بأنه الكذب والتدليس بعينه، وكم هالني استخفافهم بالأرواح البريئة والدماء الطاهرة،  وأزهم للشباب على الانتحار باسم الشهادة وقتل المسلمين باسم الجهاد، فما أن يسمعوا بشاب مغرر به فجر نفسه يهللون ويكبرون ويحمدون الله، وحين ارتكبت طامة أحداث ١١سبتمر  وما تبعها من استفزاز لأعداء الإسلام وحملهم على الانتقام غضباً، وكيف أنهم ضيقوا على المسلمين بسبب تلك الحماقة تيقنت بأن لهؤلاء مشروعاً وصولياً لسدة الحكم في البلدان العربية، عبر زعزعة الأمن والاستقرار ونشر الخوف في ربوع بلدان المسلمين ليتسللو خلسة إلى السلطة بوهم الخلافة الإسلامية.

‏فكان قراري الأخير قبل الانعتاق من ربقة إفكهم،  التوجه لشيخ جليل مشهود له بالعلم والفقه والإدراك للواقع، ووضعت بضاعة الجماعة التي انتميت إليها دون أن اسميهم بين يديه وتحكيمه في أمر انضوائي تحت لوائهم، فأقسم بالله بأن هؤلاء هم ‏الإخوان، وهذا منهجهم وتلك طرائقهم في التغرير بعامة الناس، معتبرهم خوارج العصر ومرقة الدين، وأوصاني باعتزالهم ومفارقتهم إلى غير رجعة، مذكراً إياي بأنهم سيؤذونني في حالً تركي لهم، وفعلا آذوني في سمعتي وأولادي، وقعدوا لي في كل مرصد، حتى في مجال عملي وحاربوني في دائرتي التي أعمل بها، ولم يثنني كل ذلك عن قرار الرحيل فرحلت عنهم ورحلوا عني غير مأسوف عليهم.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات