عندما تحدث البروفيسور عبدالخالق عبدالله في كتابه عن "لحظة الخليج"، كان يشير إلى مرحلة تاريخية انتقلت فيها دول الخليج من هامش التأثير إلى مركز صناعة القرار، لتصبح لاعباً رئيسياً في السياسة والاقتصاد والأمن الإقليمي والدولي.
وأوافقه الرأي في أن المنطقة تعيش بالفعل لحظة استثنائية، لكنني أعتقد أن الظاهرة الخليجية أصبحت أوسع بكثير من حدود السياسة والاقتصاد والقوة العسكرية.
فالنجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بحجم الناتج المحلي أو عدد الطائرات المقاتلة، وإنما أيضاً بقدرة المجتمع على إنتاج نموذج إنساني وثقافي وإعلامي قادر على التأثير خارج حدوده. وهنا تحديداً تتجلى الظاهرة الخليجية بصورة لافتة.
على المستوى الإنساني، أصبحت دول الخليج من أكبر الداعمين للعمل الإغاثي والتنموي حول العالم. لم تعد المساعدات مجرد استجابة للكوارث، بل أصبحت جزءاً من سياسة تنموية طويلة المدى، تشمل بناء المدارس والمستشفيات، وتمويل مشاريع المياه والطاقة، ودعم التعليم وتمكين المجتمعات. وهذا الحضور الإنساني منح الخليج رصيداً أخلاقياً لا يقل أهمية عن رصيده الاقتصادي.
وفي المجال الإعلامي، نشهد تحولاً كبيراً في صناعة المحتوى والمؤسسات الإعلامية. فالقنوات والمنصات الخليجية لم تعد تخاطب جمهورها المحلي فقط، بل أصبحت تنافس على المستوى العربي والإقليمي، مستفيدة من الاستثمار في الكفاءات والتقنيات الحديثة والاحترافية المهنية. ولم يعد الإعلام الخليجي ناقلاً للخبر فحسب، بل أصبح شريكاً في صناعة الرواية وتشكيل الرأي العام.
أما في الفنون، فقد تغير المشهد بصورة جذرية. تستضيف العواصم الخليجية اليوم أكبر المعارض الفنية، والمهرجانات السينمائية، والحفلات الموسيقية، والفعاليات الثقافية العالمية، إلى جانب الاستثمار في المتاحف، والمسارح، والصناعات الإبداعية. وأصبح الفنان الخليجي منافساً، وأصبحت المدن الخليجية وجهة للمبدعين من مختلف أنحاء العالم، بعد أن كانت هذه المكانة حكراً على عواصم عربية عريقة.
ولعل أكثر ما يميز هذه الظاهرة أنها لم تقم على الصدفة أو الثروة وحدها، بل على رؤية استراتيجية استثمرت في الإنسان قبل الحجر، وفي التعليم قبل الشعارات، وفي التخطيط طويل المدى بدلاً من الإنجازات المؤقتة. فالاقتصاد القوي يوفر الإمكانات، لكن الإدارة الرشيدة هي التي تحول الإمكانات إلى إنجازات مستدامة.
ولا يعني الحديث عن التفوق الخليجي التقليل من مكانة الدول العربية ذات التاريخ الثقافي والإعلامي العريق، فهذه الدول قدمت للعالم العربي رواداً في الأدب والفكر والفنون والإعلام. غير أن التاريخ لا يمنح أحداً احتكار الريادة إلى الأبد، فموازين القوة الحضارية تتغير، ومن يستثمر في المستقبل يحصد ثماره.
إن الظاهرة الخليجية ليست مجرد مرحلة عابرة فرضتها ظروف اقتصادية استثنائية، بل تبدو مشروعاً حضارياً متكاملاً يعيد رسم ملامح المنطقة. وإذا استمرت دول الخليج في الاستثمار في الإنسان، والابتكار، والإبداع، فإن “لحظة الخليج” التي تحدث عنها البروفيسور عبدالخالق عبدالله قد تتحول إلى “عصر الخليج”، ليس باعتباره بديلاً عن محيطه العربي، بل باعتباره محركاً جديداً لنهضة عربية تستحقها المنطقة بأسرها.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة