منع حربا عالمية.. فصول من الحياة السرية لـ«جاسوس روسي»
كشفت وفاة "أنطون كيلسن"، النقاب عن الحياة السرية لأحد أهم عملاء بريطانيا، في قصة تشبه أفلام الجاسوسية المثيرة.
وعلى الرغم من شهرته في عالم الاستخبارات، عاش أوليغ غورديفسكي لعقود تحت اسم مستعار هو "أنطون كيلسن"، متخفياً كمتقاعد هادئ يقضي أيامه بين الحانات والمقاهي المحلية في إحدى ضواحي مقاطعة ساري البريطانية، بعد أن كان أحد أهم العملاء السريين لصالح بريطانيا خلال الحرب الباردة.
كان غورديفسكي يرتاد بانتظام حانة "ذا ريفكتوري" في بلدة غودالمينغ، حيث اعتاد الجلوس إلى طاولة محددة.
وطوال سنوات اعتقد العاملون في الحانة أنه مجرد عالم متقاعد لطيف الطباع حتى أنهم لم يشكوا في مرافقيه الذين اتضح لاحقاً أنهم حراس شخصيون لحمايته، وفقا لما ذكرته صحيفة "تلغراف" البريطانية.
وأشارت الصحيفة إلى أن غورديفسكي ولد لأسرة مرتبطة بالاستخبارات السوفياتية، وانضم مبكراً إلى جهاز الـ"كي جي بي" بعد تخرجه الجامعي.
وخلال عمله في الدنمارك، بدأ يشكك في النظام الشيوعي، خصوصاً بعد قمع ربيع براغ عام 1968، وهو الحدث الذي دفعه إلى التعاون سراً مع جهاز الاستخبارات البريطاني "إم آي 6" عام 1972.
ومنذ ذلك الوقت أصبح واحداً من أخطر العملاء المزدوجين داخل الاتحاد السوفياتي.
ولعب غورديفسكي دوراً محورياً خلال الحرب الباردة، إذ نقل معلومات حساسة إلى الغرب، وأسهم في منع تصعيد نووي خطير.
ومن أبرز إنجازاته، إقناع القيادة السوفياتية بأن المناورات العسكرية لحلف شمال الأطلسي (ناتو) لم تكن استعداداً لهجوم فعلي.
ويعتبر كثير من المؤرخين أن المعلومات التي نقلها ساعدت في تجنب مواجهة نووية محتملة بين الشرق والغرب.
وفي عام 1985، عندما كان غورديفسكي يشغل منصب رئيس مكتب الـ"كي جي بي" في لندن، استدعته موسكو بشكل مفاجئ بعد تزايد الشكوك حول كونه عميلا مزدوجا.
وهناك تعرض للاستجواب والتخدير، لكنه تمكن من تنفيذ خطة هروب سرية وضعتها الاستخبارات البريطانية تحت اسم "عملية بيمليكو".
وبالفعل، هرب غورديفسكي بطريقة سينمائية، إذ سار قرب مخبز حاملاً كيس تسوق، ثم التقى عميلاً بريطانياً كان يأكل قطعة شوكولاتة، قبل أن يتم تهريبه داخل صندوق سيارة ونقله سراً عبر الحدود إلى فنلندا.
وبعد وصوله إلى بريطانيا، عاش غورديفسكي حياة جديدة بهوية مختلفة وظهر أحياناً في مقابلات تلفزيونية، وكتب مذكراته.
كما حصل على تكريمات رسمية من الحكومة البريطانية، لكنه فضل في سنواته الأخيرة حياة هادئة في الضواحي بعيداً عن الأضواء.
وكشف جيران غورديفسكي، عن أن هويته الحقيقية لم تكن سراً كاملاً داخل الحي، رغم محاولات التعتيم، إذ عرفه السكان باسم "أوليغ"، وشارك أحياناً في المناسبات الاجتماعية.
لكن تدهور العلاقات بين روسيا وبريطانيا مؤخرا، أثر بشدة على حالته النفسية، إذ أصبح أكثر خوفاً وانعزالاً، خصوصاً بعد حوادث تسميم الجواسيس الروس المنشقين مثل ألكسندر ليتفينينكو، وسيرغي سكريبال.
وأكد جيرانه أنه كان يعتقد أن هناك محاولات لتسميمه، بل دخل المستشفى عام 2007 بعد تعرضه لوعكة غامضة أفقدته الوعي لساعات طويلة، واشتبه لاحقاً بتعرضه لمادة الثاليوم السامة.
ورغم المخاوف الأمنية والحراسة المستمرة، ظل غورديفسكي يحافظ على بعض عاداته اليومية، مثل الذهاب إلى المطاعم المحلية والجلوس مع الجيران لتناول المشروبات.
أما حياته العائلية، فكانت أكثر تعقيداً فزوجته ليلى لم تكن تعلم بنشاطه ضد الاتحاد السوفياتي أو بخطة هروبه.
وعندما انشق احتجزتها السلطات السوفياتية واستجوبتها ولم تسامحه قط على إخفاء الحقيقة عنها، وهو ما اعتبره بعض جيرانه أحد أكثر الجوانب المأساوية في قصته.
وبعد وفاته في مارس/آذار 2026، انكشف الاسم المستعار الذي عاش به لعقود.