إلبريدج كولبي.. مهندس «أمريكا أولا» بالبنتاغون في عين عاصفة جمهورية
لم يثر أي من مسؤولي إدارة الرئيس دونالد ترامب في البنتاغون انقساماً بين صفوف الجمهوريين كما أثاره إلبريدج كولبي، وكيل وزارة الحرب لشؤون السياسات.
ففي خريف العام الماضي، خرج النائب الجمهوري مايك روجرز، رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، من اجتماع في البنتاغون وهو يشك في أنه قد تم تضليله.
كان روجرز، المعروف، بحسب واشنطن بوست، بتأييده الشديد لأوروبا لدرجة أن رومانيا منحته رتبة قائد فخرية، قد علم بنية الإدارة سحب آلاف الجنود من رومانيا، في وقت كانت لجنته تطالب بالتشاور قبل أي انسحاب كبير.
وفي اجتماع مع كولبي في أكتوبر/ تشرين الأول، سأله روجرز إن كانت هناك أي تخفيضات في عدد القوات. فأجاب كولبي بالقول إنه لا علم له بأي تخفيضات، لكن بعد أسبوعين أُعلن سحب اللواء الذي كان يعزز الجناح الشرقي للناتو منذ الغزو الروسي لأوكرانيا. وقال روجرز غاضباً: «صدقته».
لكن كولبي نفى في مقابلته مع «واشنطن بوست» أن يكون قد ضلل عضو الكونغرس، مشيراً إلى أن القادة العسكريين أوصوا هم أيضاً بالسحب، وأنه لم يصدر أمر نهائي وقت الاجتماع.
وأضاف أنه لم يكن «في وضع يسمح له بتوجيه الوزارة في أي اتجاه»، وأنه حريص فيما يقول، مطالباً روجرز بسحب اتهامه بعدم الأمانة في رسالة رسمية، وهو ما لم يفعله النائب. هذه الواقعة لم تكن سوى شرارة في حرب نفوذ واسعة داخل الحزب الجمهوري حول الدور العالمي لأمريكا.
اختبار الصدق وانسحاب رومانيا يشعل المواجهة
تحولت قضية الانسحاب من رومانيا إلى جرس إنذار لكبار الجمهوريين في مجلسي النواب والشيوخ. ومارس المشرعون رقابة مشددة على كولبي بشكل غير مسبوق، فنقضوا سياساته وعرقلوا تثبيت مرشحين اثنين لمنصب نائبيه الرئيسيين. واتهمه اثنان من القادة الجمهوريين علناً بعدم الأمانة، منهم النائب مايكل تيرنر الذي وصفه في جلسة استماع بأنه «مخادع».
ويقول مسؤولون مطلعون إن الصراع تحول إلى حرب بالوكالة داخل الحزب، إذ يدّعي كل معسكر تمثيل رؤية ترامب لسياسة «أمريكا أولاً»، بين توجه يريد قوة عسكرية أكثر فاعلية في الخارج وتيار يتبنى ضبط النفس والانسحاب من الالتزامات العالمية.
على الورق، يبدو كولبي نتاجاً لنخبة واشنطن؛ فهو حفيد مدير الاستخبارات المركزية الأسبق ويليام كولبي، وحاصل على شهادات من هارفارد وييل. لكنه في السنوات الماضية تحول إلى ناقد لاذع لزملائه السابقين، متهماً الحزبين بتجاهل حدود قدرة أميركا، ومشيراً إلى أن تسليح أوكرانيا يستنزف مخزوناً تحتاجه واشنطن لمواجهة الصين.
وقد صرح بعد فوز ترامب بولاية ثانية بأن «الدخول في عدة شجارات في الوقت نفسه ضرب من التهور». وخلال جلسة تثبيته في مارس/ آذار 2025، دافع عنه نائب الرئيس جيه دي فانس شخصياً بحضوره الجلسة، مؤكداً أن كولبي سيجلب رؤية «بأمس الحاجة إليها». ورغم تحفظات خاصة، رضخ الأعضاء الجمهوريون تحت ضغط الإدارة.
ملف أوكرانيا وتايوان: اتهامات متبادلة بتقويض الحلفاء
تخطت التوترات حدود رومانيا لتصل إلى ملفات شائكة أخرى. إذ يرى منتقدو كولبي أن التوقف المفاجئ للمساعدات العسكرية لأوكرانيا في صيف 2025 كان اللحظة التي فقد فيها مكتبه ثقة الكونغرس.
ففي يونيو/ حزيران، وافق وزير الحرب بيت هيغسيث على مراجعة أعدها فريق كولبي لمساعدة الجيش على الاحتفاظ بأسلحته الأكثر قيمة تحسباً لنزاع محتمل مع الصين حول تايوان. لم توصِ المراجعة صراحة بوقف المساعدات، لكن الوضع الجديد أربك المسؤولين العسكريين بشأن العتاد المسموح بتسليمه، فاستمر انقطاع الشحنات أسابيع وسط خسائر أوكرانية متزايدة.
وبرر مسؤول آخر في البنتاغون الأمر بفشل مكتب آخر في التنفيذ الكامل للمذكرة، مؤكداً أن كولبي أيد إرسال «قدرات عالية القيمة ومنخفضة الكثافة» من دون أن يحددها.
في حادثة منفصلة، أثار مكتب كولبي حفيظة المشرعين حين حث الإدارة على عدم دعم وفد برلماني كان يعتزم السيناتور الجمهوري روجر ويكر قيادته إلى تايوان، خشية رد فعل صيني عنيف على غرار ما حدث عقب زيارة رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي في 2022.
رفض كولبي الخوض في التفاصيل، بينما قال مسؤول في البنتاغون إن المكتب لم يبذل جهداً يذكر لثني الرئيس، وإن النهج يتجنب «الاستعراضات الرمزية الصاخبة».
هذه المواقف جعلت السيناتور دان سوليفان يصف كولبي بأنه «أصعب شخص يمكن الوصول إليه في إدارة ترامب»، وأرجأت لجنة ويكر التصويت على تثبيت مساعديه أوستن دامر وأليكس فيليز-غرين بعد جلسة تحولت إلى مساءلة لسياسات المكتب.
جهود لرأب الصدع وصراع خفي على رؤية «أمريكا أولاً»
في الأشهر الأخيرة، بدأ كولبي حملة لترميم العلاقة المتوترة مع الكابيتول. فبعد رسالة صريحة من السيناتور سوليفان طالبه فيها بالحضور والتواصل، التقى كولبي عشرات المشرعين من الحزبين، وأفاد البنتاغون بأنه وافق على أكثر من 360 اجتماعاً ومحادثة مع الكونغرس.
ويقول سوليفان إن العلاقة تحسنت بشكل كبير، ويقر مساعدون تشريعيون بأن الجهد غيّر نظرتهم إلى مكتب السياسات. لكن آخرين ما زالوا غير مقتنعين، إذ شبّه روجرز الحصول على معلومات من كولبي بـ «انتزاع الأسنان».
ويواصل السيناتور ريك سكوت عرقلة تثبيت نائبي كولبي، رافضاً الإفصاح عن الأسباب علناً، لكنه ربط موقفه بالولاء لأجندة الرئيس.
يرد كولبي على منتقديه بتأكيد ولائه، قائلاً إنه يقضي ساعات أسبوعياً مع هيغسيث، وإن الوزير يستشير ترامب باستمرار. ويخلص إلى القول: «ثقوا بي، سيخبرني إن كنت مخطئاً».
يبقى هذا الصراع الداخلي مرآةً لاختبار حقيقي لسياسة «أميركا أولاً»، حيث يتنازع الجمهوريون أنفسهم على تعريفها فيما يمسك الرئيس وحده بخيوط القرار النهائي.