اتفاق واشنطن.. لماذا يتعثر سلام الكونغو الديمقراطية؟
نهج الإدارة الأمريكية تجاه الكونغو الديمقراطية يمثل اختبارًا عمليًا لاستراتيجية «أمريكا أولا» في أفريقيا.
ففي ديسمبر/كانون الأول 2025، استضافت واشنطن توقيع اتفاق سلام بين الرئيس الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي، ونظيره الرواندي بول كاغامي، وقدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاتفاق بوصفه إنجازاً دبلوماسياً كبيراً.
ومع ذلك، كشف الاحتفال حقيقة استمرار التوتر، حيث رفض الرئيسان مصافحة بعضهما البعض، وكانت القوات الرواندية تستعد بالفعل لعملية عسكرية جديدة في الشرق الكونغولي.
وبعد أيام فقط، سقطت مدينة أوفيرا بيد حركة "23 مارس"، المعروفة اختصارا بـ"إم23" المدعومة من رواندا، مما كشف هشاشة الاتفاق، وفقا لتحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية.
ويرى التحليل، أن إدارة ترامب تعاملت مع الكونغو باعتبارها اختباراً لاستراتيجيتها الجديدة في أفريقيا، والتي تركز على تحقيق مكاسب اقتصادية مباشرة، وتأمين وصول الشركات الأمريكية إلى المعادن الحيوية مثل الكوبالت والنحاس والليثيوم، مع محاولة فرض السلام عبر النفوذ الاقتصادي والعقوبات.
وخلال أقل من عامين، استعادت الولايات المتحدة دوراً مؤثراً في الكونغو الديمقراطية بعد سنوات من التراجع، فدعمت شركات أمريكية للاستثمار في التعدين، وساهمت في تطوير ممرات اقتصادية، كما قادت جهود الوساطة بين الكونغو ورواندا.
عقبات
رغم تحقيق بعض النجاحات، إلا أن هذا النهج يواجه حدوداً واضحة، فالاعتماد على اتفاقيات سريعة تؤجل القضايا الجوهرية يجعل السلام غير مستدام.
كما أن التركيز على المصالح الاقتصادية قد يأتي على حساب الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة عدم الاستقرار داخل الكونغو الديمقراطية.
وتعود جذور الصراع في الشرق الكونغولي إلى نحو ثلاثين عاماً، حيث تدخلت رواندا عسكرياً لأول مرة عام 1996 بحجة ملاحقة الجماعات المسلحة المرتبطة بالإبادة الجماعية على أراضيها لعام 1994.
ومنذ ذلك الوقت، دعمت كيغالي عدة حركات تمرد داخل الكونغو الديمقراطية، واستندت في ذلك إلى اعتبارات أمنية، لكنها سعت أيضاً إلى حماية مصالحها الاقتصادية، خاصة في المناطق الغنية بالموارد الطبيعية، وإقامة منطقة عازلة على حدودها.
وفي أواخر عام 2021، استأنفت حركة "إم 23" عملياتها العسكرية مما أدى إلى نزوح ملايين المدنيين، في حين فشلت محاولات الوساطة التي قادتها منظمات إقليمية مثل الاتحاد الأفريقي، كما أخفق التدخل العسكري لدول الجنوب الأفريقي، بسبب تمسك الأطراف بمواقفها.
وبعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض، بدا أن الصراع قد يتفاقم، خاصة بعد سقوط مدينة غوما بيد المتمردين، لكن الإدارة الأمريكية تحركت لاحقاً عبر فرض عقوبات على شخصيات رواندية بارزة، وتعيين مسعد بولس مستشاراً رئاسياً للشؤون الأفريقية.
وتمكن بولس من إطلاق مفاوضات مباشرة بين كينشاسا وكيغالي، بينما عقدت محادثات بين حكومة الكونغو الديمقراطية وحركة "إم23"، أسهمت في الحد من التقدم العسكري للمتمردين.
وتجاوزت إدارة ترامب الآليات التقليدية لصنع السياسة الخارجية الأمريكية وبالتالي تراجعت أدوار وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي والخبراء المتخصصين.
وأصبح بولس، الشخصية الأكثر تأثيراً وهو ما ساعد على اتخاذ قرارات سريعة، مثل فرض عقوبات على رواندا والتوصل إلى اتفاق سلام مبدئي، لكنه أدى أيضاً إلى ضعف التخطيط الاستراتيجي طويل المدى.
أولوية وحلول
كما ربطت واشنطن جهود السلام بمشروعات اقتصادية واسعة، فأبرمت اتفاقاً للشراكة الاستراتيجية مع الكونغو الديمقراطية يمنح الولايات المتحدة وحلفاءها أولوية الاستثمار في بعض مشروعات المعادن النادرة.
وفي المقابل، وعدت شركات أمريكية بضخ استثمارات كبيرة في قطاع التعدين، بينما أكدت الحكومة الكونغولية استعدادها لتوفير هذه الامتيازات مقابل الضغط الأمريكي على رواندا.
وبالفعل، تم الإعلان عن سلسلة من الاتفاقيات الاستثمارية بين شركات أمريكية ودولية ومؤسسات تعدين في الكونغو الديمقراطية.
كما عززت واشنطن تمويل "ممر لوبيتو" الذي يهدف إلى تسهيل نقل المعادن من الكونغو الديمقراطية وزامبيا إلى المحيط الأطلسي، في محاولة لتقليل الاعتماد على شبكات النقل والمعالجة التي تهيمن عليها الصين.
ومع ذلك، ركزت الضغوط الأمريكية بصورة شبه كاملة على رواندا، بينما امتنعت واشنطن عن ممارسة ضغوط مماثلة على حكومة الكونغو الديمقراطية، وفق المصدر.
وبحسب التحليل، فإن ما تقدم قد يشجع كينشاسا على التشدد ورفض تقديم تنازلات، وبالتالي تقل فرص التوصل إلى تسوية دائمة، كما أنه يشجع الرئيس تشيسيكيدي على تعزيز سلطاته الداخلية.
وأخيرا، يرى التحليل أن إدارة ترامب حققت بعض المكاسب السريعة، لكنها تفتقر إلى رؤية استراتيجية طويلة الأمد، فنجاح أي تسوية يتطلب الضغط على جميع الأطراف، ودفع كينشاسا إلى احترام الدستور والتفاوض الجاد مع المتمردين، بدلاً من الاكتفاء بمعاقبة رواندا.
كما يحتاج تحقيق السلام إلى تعاون وثيق مع الشركاء الدوليين والمنظمات الإقليمية، وليس إلى سياسة أحادية تركز على الصفقات الاقتصادية، ولذلك، فإن استمرار النهج الحالي قد يؤدي إلى تجميد الصراع دون حله.