"إذا وقعت أي واقعة على الكويت فإننا لا نجد من الوقوف معها بدا مهما حدث".. لم تكن هذه الكلمات التي صدح بها الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مجرد جملة عابرة، بل كانت إعلانا لمنهج ودستور يحكم علاقة صقلتها الشدائد وثبت معدنها في المواقف.
واليوم، حين يؤكد الشيخ محمد بن زاید آل نهیان، رئيس دولة الإمارات، أن علاقة البلدين هي "علاقة أخوة ومحبة وقربي"، وأن الكويت كانت السند قبل الاتحاد وبعده"، فإنه يضع تلخيصا مكثفا لذاكرة جمعية تستدعي الماضي لتصف الحاضر وترسم آفاق المستقبل.
وعليه، لا يمكن النظر إلى "أسبوع الأخوة الإماراتي الكويتي" بوصفه فعالية بروتوكولية، بل هو وفاء علني لوشائج تضرب جذورها في أعماق التاريخ، فحين وجه الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بالاحتفاء بعلاقات الأخوة الراسخة مع دولة الكويت، كان المعنى أبعد من مجرد إعلان بل كان استدعاء واعيا لتاريخ طويل من "السند قبل الاتحاد وبعده"، وإعادة تثبيت لمعنى ظل حاضرا في الوجدان قبل أن يرفع علم الدولة.
غير أن قراءة هذا الاحتفاء على وجهه الكامل تقتضي العودة إلى دفاتر" البدايات" والتقليب في "صفحات التاريخ"، حيث كانت دولة الكويت حاضرة في الذاكرة الإماراتية قبل أن يتشكل الكيان الاتحادي، فها هي الصفحات تضج بصور تجارة اللؤلؤ ورحلات السفن وتداخل الأنساب التي جعلت من الشعبين أسرة واحدة قبل أن ترسم الحدود أو ترفع الأعلام.
فمنذ اللحظات الأولى لقيام دولة الإمارات عام 1971، تشكلت العلاقة مع الكويت على أساس إدراك متبادل بأن الخليج لا يدار بمنطق الجوار وحده بل بوحدة المصير، فكانت الكويت من أوائل الدول التي آمنت بمشروع الاتحاد وبادرت بافتتاح سفارتها في أبوظبي، في خطوة تجاوزت الشكل الدبلوماسي لتعبر عن ثقة كويتية مبكرة في استقرار الدولة الناشئة، في المقابل، نظر الشيخ زايد إلى الكويت باعتبارها دولة شقيقة ذات مكانة خاصة بحكم عمق الروابط الإنسانية والتاريخية.
ومع تعاقب العقود، انتقلت العلاقات الإماراتية الكويتية من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الشراكة التي لا تدار بالتصريحات، بل بتراكم الثقة وتبادل المواقف، وقد لعبت القيادتان التاريخيتان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ جابر الأحمد الصباح، دورا محوريا في ترسيخ هذا النهج القائم على الحوار وتغليب الحكمة والنظر إلى أمن الخليج باعتباره كيانا واحدا لا يقبل التجزئة.
هذا الإيمان المتبادل وضع أمام الاختبار الأصعب عام 1990 إبان الغزو العراقي للكويت، هناك تجلت الحكمة الخليجية الأثيرة من يطرق باب الجار يسمع الجواب، والتي وضعت النقاط على حروف العلاقة المتجذرة، وأثبتت أن الجرح إذا نزل بالكويت تداعى له سائر الجسد الإماراتي بالسهر والحمى، فهبت الإمارات" بـ"فزعة صادقة ، ففتحت أبوابها وقلوبها للأشقاء تحت شعار "بيوتنا بيوتكم"، هنا ذابت مسميات "اللجوء" و"الغربة" في دفء الأخوة، فكان الكويتيون في دارهم وبين أهلهم أصحاب ديار لا ضيوف أو غرباء، في مشهد صاغته رؤية سياسية تؤمن بأن الأخوة فعل يعاش قبل أن يكون قولا يعلن.
وفي الميدان، لم يتوقف الدعم عند الجانب الإنساني، بل سطر جنود الإمارات بدمائهم المعنى العملي لوعود الشيخ زايد حينما شاركت القوات الإماراتية ضمن قوات التحالف في تحرير الكويت، في موقف عسكري وسياسي جسد المعنى العملي لما قاله الشيخ زايد قبل سنوات "إذا وقعت أي واقعة على الكويت فإننا لا نجد من الوقوف معها بدا مهما حدث"، لتتحول العبارة من قول مأثور إلى فعل عسكري وسياسي سكن صفحات التاريخ.
وانطلاقا من تلك اللحظات المفصلية، استقر مسار العلاقات على ثوابت لا تتزعزع، تقارب في الرؤى تجاه قضايا الإقليم، وحرص مشترك على إبقاء العلاقات فوق أي اعتبارات عابرة، وقد انعكس ذلك في انتظام الزيارات الرسمية، وتأسيس أطر مؤسسية للتعاون، أبرزها اللجنة العليا المشتركة التي شكلت مظلة جامعة للتنسيق في الملفات السياسية والاقتصادية والتنموية.
ولم تكن الطفرة الاقتصادية في حجم التبادلي التجاري بين دولتي الإمارات والكويت الذي يتجاوز سنويا 50 مليار درهم وليدة الصدفة، بل هي ثمرة هذا التنسيق السياسي الدائم وامتداد لتعاون قديم بدأ في مجالات التنمية والبناء، فالتاريخ يذكر باعتزاز أن أول إرسال تلفزيوني في دبي عام 1969 حمل اسم "تلفزيون" الكويت من دبي"، في إشارة مبكرة إلى أن هذه العلاقة قامت لتكون رافدا للتعليم والمعرفة والبناء قبل أي شيء آخر.
أما على المستوى الشعبي فحدث ولا حرج، فالكويتي في الإمارات لا يشعر بالغربة، والإماراتي في الكويت يجد امتدادا طبيعيا لبيئته وثقافته، فالأخوة هنا فعل يعاش يوميا، لذلك فإن "الأسبوع الإماراتي الكويتي" هو احتفاء بذاكرة سياسية واجتماعية أثبتت أن السياسة حين تدار بروح الأخوة والمحبة تتحول من مجرد حسابات مصالح عابرة إلى شراكة مصير أبدي لتبقى الكويت كما قال الشيخ زايد "غالية عندنا ومعزتها من معزة الإمارات".
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة