لماذا نعجز عن الحسم؟ فخ عقلي يفسر التردد الدائم
يواجه الإنسان يوميًا عشرات القرارات، تبدأ باختيارات بسيطة مثل ما سيتناوله في مطعم،وقد تصل لقرارات مصيرية تتعلق بالمسار المهني.
وعلى مدار عقود، سعى علماء السلوك وعلماء النفس إلى فهم كيفية اتخاذ البشر لقراراتهم، كاشفين عن تحيزات معرفية لا واعية قد تدفعهم إلى اختيارات غير مثالية.

من أبرز هذه الصعوبات هي التردد في اتخاذ القرار، وهي حالة شائعة قد تتحول لدى بعض الأشخاص إلى مشكلة مزمنة ومُنهِكة، لا سيما لدى المصابين باضطراب الوسواس القهري (OCD)، وهو اضطراب نفسي يتميز بأفكار قهرية متكررة وسلوكيات قسرية.
وفي دراسة حديثة، توصل باحثون من كلية لندن الجامعية ومؤسسات بحثية أخرى إلى تحديد ما وصفوه بـ “فخ ذهني” جديد، يُعرف باسم تحيز دمج المعلومات، قد يكون عاملًا رئيسيًا في التردد المزمن لدى المصابين بالوسواس القهري وأشخاص آخرين يعانون صعوبة مستمرة في اتخاذ القرارات. ونُشرت نتائج الدراسة في دورية "نيتشر هيومين بياهفير".
وأوضح الباحثون أن هذا التحيز يتمثل في ضعف قدرة بعض الأفراد على دمج المعلومات الجديدة بشكل فعّال عند تقييم الخيارات المتاحة، ما يؤدي إلى استمرار البحث عن مزيد من المعلومات بدلًا من حسم القرار. وكتب فريق البحث: " تحيزات جمع المعلومات شائعة لدى عامة الناس، لكنها قد تصل إلى مستويات مرضية في حالات التردد المشلول، كما هو الحال في اضطراب الوسواس القهري".
تجربة واسعة وتحليل عصبي دقيق
لاختبار هذه الفرضية، أجرى الباحثون تجربة واسعة شملت 5,237 مشاركًا، طُلب منهم أداء مهمة عبر الإنترنت تقوم على مقارنة وفرة جسمين مختلفين عبر 25 موقعًا، مع حرية الاطلاع على أكبر قدر ممكن من المعلومات قبل اتخاذ القرار.
وتركز التحليل على كيفية تحديث المشاركين لمعتقداتهم بعد تلقي معلومات جديدة، باستخدام مقياس يُعرف بـ" قوة تحديث الأدلة "، وأظهرت النتائج أن الأشخاص الأكثر ترددا كانوا أقل قدرة على تعديل قناعاتهم استجابة للمعلومات الجديدة، مقارنة بغيرهم.
وللتأكد من هذه النتائج، أجرى الفريق دراسة مخبرية ثانية شملت 105 مشاركين، من بينهم مصابون بالوسواس القهري واضطراب القلق العام، إضافة إلى أشخاص دون تشخيصات نفسية. وأكدت النتائج أن ضعف تحديث الأدلة كان سمة مشتركة لدى الأكثر ترددًا، خاصة ضمن الطيف الوسواسي القهري.
إشارات دماغية تكشف جذور التردد
كما استخدم الباحثون تقنية التصوير الدماغي المغناطيسي (MEG) لرصد النشاط العصبي أثناء أداء المهمة. وكشفت البيانات عن إشارة عصبية متأخرة مرتبطة بتحديث المعلومات، تظهر بعد نحو 920 مللي ثانية من تلقي الدليل الجديد.
غير أن هذه الإشارة كانت أضعف بشكل ملحوظ في مناطق الدماغ الجبهية الوسطى لدى المشاركين الأكثر ترددًا، خصوصًا المصابين بالوسواس القهري أو القلق العام، بينما ظلت العمليات الذهنية الأخرى المرتبطة باتخاذ القرار سليمة.

آفاق علاجية مستقبلية
توفر هذه النتائج فهمًا أعمق للآليات العصبية والمعرفية التي تؤثر في اتخاذ القرار، وقد تمهّد الطريق لتطوير استراتيجيات علاج نفسي جديدة تهدف إلى تقليل التردد المزمن، سواء لدى المصابين باضطرابات نفسية أو لدى الأشخاص العاديين الذين يواجهون صعوبة في حسم خياراتهم اليومية.
ويرى الباحثون أن استهداف هذا “الفخ الذهني” قد يساعد مستقبلاً في تعزيز القدرة على اتخاذ قرارات أكثر كفاءة ووضوحا، وتحسين جودة الحياة لدى فئات واسعة من الناس.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTMg جزيرة ام اند امز