منوعات

عالم بجامعة أكسفورد يرصد علاقات الفن والرياضيات بجسر الشيخ زايد

الأحد 2018.8.5 11:09 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 219قراءة
  • 0 تعليق
جسر الشيخ زايد

جسر الشيخ زايد في أبوظبي

الفن والرياضيات عالمان ربما يبدوان منفصلين تماما؛ فأحدهما يتعلق بالتعبير الحسي، والعاطفة، والجماليات. في حين ينطوي الآخر على المنطق القاطع، والدقة والحقيقة. لكن الباحث المدقق في بواطن هذه الصور النمطية لابد أن يجد أن ما يجمع بين هذين العالمين أكبر مما قد يتوقع.

ويقول أستاذ الرياضيات بجامعة أكسفورد، ماركوس دو ساتوي، مؤلف كتاب "أسرار الأرقام" في مقال بعنوان "الرياضيات المختبئة في الأعمال الفنية العظيمة"، نشره موقع هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، إن أي فنان مبدع سيقول إن الصدى الحسي لعمل من الأعمال إنما ينشأ من تركيبة العمل ونادرا ما يكون مكونا يُقحم في بداية هذا التركيب إقحاما.


وبحسب المقال، الذي استعان كاتبه بجسر الشيخ زايد في أبوظبي الذي صممته أسطورة المعمار العراقية الراحلة، زها حديد، كمثال يدلل به على ما يقول، يعترف الملحن فيليب جلاس، بأنه لا يعمد أبدا إلى برمجة أي محتوى حسي في أعماله. وهو يعتقد أن ذلك المحتوى يتولد عفويا كنتيجة لكل العمليات التي يوظفها. يقول جلاس: "أجد أن الموسيقى تنطوي دائما تقريبا على بعض الجودة الحسية؛ فهي تبدو مستقلة عما بداخلي من نوايا." وما يقود ألحانه هو البناء والمنطق الداخلي للعمل.

ولعل ما يثير الدهشة أكثر هو الدور الذي تلعبه الأحاسيس والعاطفة في العمليات الحسابية التي نخلقها نحن البشر. إن الرياضيات أبعد ما تكون عن كونها قائمة كل العبارات الحقيقية التي بوسعنا اكتشافها عن رقم من الأرقام. وعلماء الرياضيات هم حكاؤون. فصفاتنا أرقام وحسابات هندسية. وسردنا يشكل الأدلة التي نكون بها هذه الصفات. وليس كل ما يمكن حكايته من قصص يستحق أن يُروى.

يمضي أستاذ الرياضيات بأكسفورد ليقول: لقد قضيت سنوات وسنوات كعالم للرياضيات أعمل بجانب فنانين، وما أصابني بالدهشة هو مدى ما يجمع بين ممارسة كل منا من تشابه. ولقد وجدت في أحيان كثيرة فنانين مأخوذين بالتراكيب ذاتها التي اهتم بها من منظور رياضي. قد نتحدث بلغة مختلفة ونحن نتصدى لهذه التراكيب ولكن كلانا يبدو منبهرا بنفس الأنماط وأطر العمل. وكثيرا ما يستجيب كلانا لتراكيب كامنة في العالم الطبيعي. لقد طورنا، نحن البشر، لغات عدة لمساعدتنا على التعامل مع بيئتنا.


ولعل الموسيقى هي النظام الفني الذي كان له، تقليديا، أكبر الصدى مع عالم الرياضيات. وكما قال الفيلسوف الألماني جوتفريد ذات مرة: "الموسيقى هي المتعة التي يختبرها العقل البشري من العد من دون أن يعي أن يفعل ذلك." على أن هذه الصلة تمتد لمدى أعمق من هذا بكثير. فالنوتات نفسها التي ننسجم في استجابتنا لها، تقوم على أساس رياضي، بحسب الاكتشاف ذائع الصيت لـ"فيثاغورس". كذلك فإن التراكيب الرياضية تلهم بناء اللحن.

ويمضي كاتب المقال ليقول: فيليب جراس مولع بقوة الأرقام لخلق إيقاعات تأخذ المستمع إلى عالم تأملاته، وهي إيقاعات تعزفها الطبيعة. ولقد كلف الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس، نفسه من العناء الكثير ليتوصل إلى تفسير لشكل عالمنا المحدود عبر كتابة "مكتبة بابل"، كما أن زها حديد تساعدنا بحركة تصاميمها الهندسية على أن نزرع بيئتنا الحضرية بأشكال تجمع في صميمها بين الرياضي والطبيعي.

ويستمر دو ساتوي قائلا: "في برنامجي حول الفنون البصرية، أقوم بالتحقيق حول الكيفية التي ساعد من خلالها فنانو عصر النهضة علماء الرياضيات في اكتشاف أشكال كان عالم الرياضيات الإغريقي العظيم أرشميدس أول من توصل لها – ضاعت شروحاتهم بمرور الزمن، لكن أعيد اكتشافها من خلال التطورات في فن الرسم.

ويخلص أستاذ الرياضيات بأكسفورد إلى أن جودة الموسيقى قد تجعل منها شريكا طبيعيا مع الرياضيات، كما تقدم الفنون الأخرى أمثلة مبهرة على أفكار رياضية تتدفق من بين ثنايا ما ينتجه الفنان.

ويؤكد أن ثمة رابطة لا غنى عنها، تجمع بين العمارة والرياضيات، وهي ما يضمن للبناء أن يصل إلى غايته المنشودة، بدءا من لوحة الرسم وصولا إلى المنظر الطبيعي للمدينة. لكن الأشكال والتكوينات التي تشغل الأفق الآن، تستلهم الجماليات الكامنة في الرياضيات، بنفس قدر استلهامها لقوتها في ضمان عدم انهيار المبنى.

تعليقات