سياسة

حتى نعيد للكلمات روحها

الأحد 2017.5.21 10:50 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 509قراءة
  • 0 تعليق

وقف بغُترته الحمراء وثوبه الأبيض بين جموع من الناس وهو يرتجل كعادته كلمة لا تخرج إلا من القلب، فتقع في القلوب مباشرة: «مثل ما عملنا في السابق من الصفر إلى وصول الخير ووصول السعادة ووجود الكيان الباهر اللي ما كنا نحلم فيه ولكن كنا نتطلع إليه، وصلنا ببركات الله سبحانه وتعالى ونحمده أن وصلنا للكيان الزاهر والمستوى الراقي والوقار والاحترام لكل أبنائنا وإخواننا في هذا الوطن الغالي، ولا يمكن أن يفكر أخ أو ابن في يوم من الأيام أننا نَرْخِص» ثم يتوقف.

وقد اختنق صوته بينما نظارته السوداء تخفي دموعه، يعلو الهتاف حوله من شعبه الذي عشقه: «يعيش زايد»، يُكمل قائلاً: «لا نرخص ولا نتواهن أبداً ولا تنتهي هذه المسيرة إلا بسعادة الوطن والمواطن»، ثم يختنق صوته من جديد بالبكاء وهو يحاول مداراته جاهداً قبل أن يضيف: «أنا أؤكد لكم وأعاهد الله على الإخلاص والجد في كل ما يسر الوطن والمواطن والأبناء والإخوة».

تنتابني قشعريرة وأنا أحاول نقل تلك الكلمة الموجزة المعجزة على صفحات الورق؛ زايد لم يكن يتحدث كالبقية، لم يكن يفكر كالآخرين، لم يكن يرى من حوله أتباعاً ورعية، بل كان يتحدث بقلبه ويفكر بإحساس شعبه ولا يرى مَن حوله إلا إخوة وأبناء، لم يكن يقضي الساعات في تحبير الخُطَب وتنميق الكلمات كغيره، بل كان يدعُ قلبه المحب يرتجلها فتصل لكل القلوب ولا تفارقها أبداً.

أتمنى أن تخصص السنوات المقبلة في معارض الكتب لتسليط الضوء على الجوانب المختلفة من سيرة زايد "رحمه الله".

ما يؤلمني هو طريقة نقل أحاديثه، الذي يتم بحُسن نيّة بلا شك في كلماته، لمعرفة ما أقصد ما عليك سوى مشاهدة أحاديثه على اليوتيوب ثم أنظر كيف نُقِلَتْ إلى عالم المطبوعات، لا أعلم صراحة من أشار بإعادة صياغتها إلى الفصيح «الـمُعلَّب» فأفقدها كثيراً من جماليتها ودقّة مراميها.

كان زايد، طيّب الله ثراه، أفصح الناس وأبلغهم، لكن كان له أسلوب خاص عندما يتكلم، وله لهجة بيضاء غير مسبوقة بين الفصحى والعامية وله قدرة مدهشة لاختيار كلمات معينة ذات تأثير أكبر في وعي وقلب المتلقي ما جعل تأثيرها هائلاً وما زالت مرجعاً لا يستغني عنه أحد من أهل الإمارات تحديداً في مجال الأخلاق والالتزام بالمثل العليا والطموح الكبير وحب الخير للجميع، لكن إعادة الصياغة تلك جعلها تفتقد أهم شيء: إننا لا نلمس ولا نشعر بروح ونَفَس زايد فيها إطلاقاً.

نقطة أخرى تستوقفني عندما نمر بالمكتبات فنجد مئات الكتب التي تتناول الجوانب المستفادة من سير القادة الكبار بدءاً من سن تزو وأتيلا والإسكندر وهانيبال مروراً بنابليون وشارلمان وميكافيلي وبسمارك ثم تشرشل وروزفلت وصولاً إلى الساسة الكبار في دول النخبة حالياً.

وهي كتب وضعها مختصون في مجالات تتفاوت بين السياسة والاقتصاد والاستراتيجيات ولم يؤلفها أشخاص محبون فقط، المحب يُشكر على حبّه بالتأكيد لكن لن تجد «ثقلاً» معرفياً إطلاقاً عن الشخصية العظيمة التي يتناولها، وتلك الكتابة المتخصصة هي جزء من الإنصاف الذي لم نمنحه لزايد، رحمه الله، فأتى كثير مما كُتِب عنه متحدثاً عن عموميات وذكر وقائع ونقل أحاديث وجمع صور دون طرح منهجي متعمّق يُبيّن ما تفردت به شخصيته الفذّة.

كم أتمنى لتدارك هذا الأمر أن تخصص السنوات المقبلة في معارض الكتب على الأقل لتسليط الضوء على الجوانب المختلفة من سيرة زايد، رحمه الله، أن يكون عاماً عن زايد المصلح الاجتماعي، ثم عام يليه عن زايد القيادي صانع الفارق، ثم عن زايد رائد الإنسانية، ثم زايد الأديب، وبعدها زايد الأب والمربي، وهكذا حتى نأتي على كل جوانب شخصيته اللافتة، إنّ التنوّع والثراء في شخصية زايد أمر غير مسبوق، وجدير بنا أن نُخرِج للأجيال المقبلة دروساً ملهمة عنه، طيب الله ثراه، شريطة أن توكل الكتابة لمختصين وباحثين معتبرين في تلك النواحي المختلفة قبل أن تُدمج وتُدرَج في المكتبة العربية والعالمية بعد ترجمتها بلغات العالم المختلفة، زايد يستحق أن تصل سيرته لأقصى بقاع الدنيا لِتُلهِم البشرية.

إن ما صنعه زايد كان ضرباً من المحال، وفي عالم الإدارة هناك ما يُعرَف بإدارة التحوّل Turnaround Management وهي القدرة على تحويل مؤسسة تعاني من انحدار أعمالها أو خسارتها في مواجهة منافسيها، وأغلبية هذه المحاولات تفشل أو تحقق نجاحاً ضئيلاً؛ لأن الملابسات كثيرة والأمور التي تتداخل وتؤثر على مسار تنفيذ المقاربات عديدة وأصعبها على الإطلاق الثقافة المؤسسية للأفراد، التي يكون من الصعوبة بمكان تغييرها وتحويلها لتشكّل عامل دعم كبير لإنجاح مبادرة التحوّل تلك، إلا أنّ زايد طيّب الله ثراه لم ينجح في مبادرة تحوّل لمؤسسة فقط بل لوطن كامل.

ولم يوفّق بين إدارات بها عدد يسير من الموظفين بل بين قبائل متناحرة وديار متباعدة وطموحات وهموم متباينة، وعندما تكون المؤسسات مكتملة الموارد وافية القدرات المالية والمادية والبشرية ومع ذلك تفشل بوجود خبراء ومختصين ودراسات لا تنتهي ودورات تأهيلية لا تتوقف، فإنّ زايد العظيم خلق طفرة لم تُعْطَ حقها حتى اليوم في أرض لا تملك إلا الصحاري الجرداء، ولا يتوطّن فيها إلا الفقر والخوف، ولا تملك لحلم زايد بوطن عظيم وشعب سعيد مُكرَّم إلا شيئاً واحداً فقط هو: إرادة زايد.

نحن امتدحناه، رحمه الله، بجميل المنجزات وعظمة ما تحقق لكننا أغفلنا الأهم في ذلك وهو منهجيته في إيجاد تلك الإنجازات وهي عالم لم يفتح أحد أبوابَه بعد، نحن امتدحنا الثمر لكننا لم نلتفت لما فعله مَن زَرَعَ ورَعى وأخْلَص وصَبَر طويلاً حتى آتى الزرع ثماره، زايد يستحق منّا أكثر من مجرد تعليق صوره في منازلنا.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات