مشروع قانون أمريكي يفتح خزائن الاستخبارات أمام إسرائيل.. جدل حول البند 622
يتجه مجلس الشيوخ الأمريكي نحو إقرار تشريع من شأنه توسيع نطاق تبادل المعلومات الاستخباراتية مع إسرائيل بصورة غير مسبوقة، في خطوة أثارت جدلا داخل الأوساط السياسية والأمنية بشأن تداعياتها على حماية الأسرار الأمريكية.
ويتضمن مشروع قانون تفويض الاستخبارات، الممتد على 192 صفحة، بندًا يحمل الرقم 622 بعنوان "تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية بين الولايات المتحدة وإسرائيل"، ويلزم الرئيس الأمريكي، عبر مدير الاستخبارات الوطنية ووزير الدفاع عند الاقتضاء، بتوسيع وتعزيز تبادل المعلومات مع الحكومة الإسرائيلية في مجالات تشمل معظم الملفات الاستخباراتية ذات الصلة بالشرق الأوسط، وفق موقع "ريسبونسبل ستيت كرافت".
ولا يكتفي المشروع بتشجيع هذا التعاون، بل يحد من قدرة الإدارة الأمريكية على تعليقه أو تقليصه، إذ لا يسمح بأي استثناء إلا استنادًا إلى مخاوف محددة تتعلق بالأمن القومي يحددها الرئيس شخصيًا، مع إلزام البيت الأبيض بإبلاغ الكونغرس خلال 15 يومًا بأسباب القرار وتأثيراته المحتملة.
ويرى مراقبون أن هذه الصيغة تمثل تحولًا في طبيعة الدعم الأمريكي لإسرائيل، الذي ارتكز لعقود على المساعدات الاقتصادية والعسكرية التي تجاوزت قيمتها 300 مليار دولار، نحو مستوى أعمق من التكامل العسكري والاستخباراتي أقل وضوحًا للرأي العام وأكثر صعوبة من حيث الرقابة والمساءلة.
علاقة استخباراتية استثنائية أم سابقة مثيرة للجدل؟
ويثير المشروع تساؤلات حول جدوى تقنين علاقة استخباراتية مع دولة أجنبية عبر نص تشريعي ملزم، إذ تُدار مثل هذه العلاقات عادةً من قبل الأجهزة المختصة وفق اعتبارات مهنية تتعلق بالمصالح المشتركة، واحتياجات جمع المعلومات، وقدرات الشركاء، والمخاطر المرتبطة بحماية المصادر والأساليب السرية.
كما أن العلاقات الاستخباراتية لا تُبنى بمعزل عن شبكة العلاقات الدولية الأخرى، إذ توازن الأجهزة الأمريكية باستمرار بين التزاماتها تجاه شركاء متعددين، مع مراعاة تأثير أي تبادل للمعلومات على علاقاتها مع دول أخرى، وفق موقع "ريسبونسبل ستيت كرافت".
ويخشى منتقدو المشروع أن يؤدي فرض علاقة مميزة مع إسرائيل بقوة القانون إلى إرباك هذا التوازن الدقيق وزيادة احتمالات التعارض بين المصالح الاستخباراتية الأمريكية المختلفة.
وتزداد هذه المخاوف بالنظر إلى الجدل المستمر حول طبيعة العلاقة الأمنية بين البلدين.
فبينما تُعد إسرائيل حليفًا استراتيجيًا لواشنطن سياسيًا وعسكريًا، يشير منتقدون إلى أن سجلها الاستخباراتي يتضمن وقائع أثارت توترًا مع الولايات المتحدة، أبرزها قضية الجاسوس جوناثان بولارد، الذي أدين بالتجسس لصالح إسرائيل بعد تسريبه كميات كبيرة من المعلومات السرية الأمريكية.
وقد اعتبر مسؤولون أمريكيون حينها أن الأضرار الناجمة عن القضية كانت من بين الأخطر في تاريخ الأمن القومي الأمريكي.
ويشير معارضو التشريع أيضًا إلى مخاوف تتعلق بإمكانية انتقال معلومات أمريكية حساسة إلى أطراف أخرى عبر قنوات غير مباشرة، مستشهدين بسوابق أثارت جدلًا حول التعاون العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي مع دول مثل الصين في فترات سابقة، رغم التحفظات الأمريكية.
ويرون أن أي توسيع إلزامي لتبادل المعلومات يجب أن يراعي احتمالات التسريب أو الاستخدام غير المقصود للبيانات الحساسة.
تضارب المصالح ومستقبل التعاون الأمني
تتجاوز الاعتراضات الجوانب التقنية لتشمل اختلاف المصالح السياسية والاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب في بعض الملفات الإقليمية.
ويعتقد منتقدو المشروع أن المعلومات الاستخباراتية التي تشاركها الولايات المتحدة قد تُستخدم في عمليات أو سياسات لا تتوافق بالضرورة مع أولويات الإدارة الأمريكية أو مع جهودها الدبلوماسية في الشرق الأوسط.
ويستشهد هؤلاء بالتباينات التي ظهرت خلال الحرب الأخيرة مع إيران، والتي كشفت عن اختلافات في الرؤى بين إدارة الرئيس دونالد ترامب وحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن كيفية إدارة التصعيد الإقليمي واحتوائه.
ويرون أن تعزيز تبادل المعلومات بصورة إلزامية قد يحد من قدرة واشنطن على استخدام التعاون الاستخباراتي كأداة ضغط أو تأثير في سلوك حلفائها.
كما يثير المشروع تساؤلات بشأن فعالية بند الإعفاء الوارد فيه، إذ يرى معارضون أن الشروط المفروضة لتقليص تبادل المعلومات مع إسرائيل معقدة سياسيًا وإجرائيًا إلى درجة تجعل استخدامها شبه مستحيل عمليًا.
فإحالة أي قرار من هذا النوع إلى الكونغرس قد تفتح الباب أمام معارك سياسية وضغوط مكثفة من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، ما يضعف قدرة أي إدارة أمريكية مستقبلية على إعادة تقييم العلاقة الاستخباراتية وفقًا للظروف والمتغيرات.
وفي المقابل، يرى مؤيدو المشروع أن تعزيز التعاون الاستخباراتي بين البلدين ينسجم مع طبيعة الشراكة الاستراتيجية الممتدة منذ عقود، ويسهم في مواجهة التحديات الأمنية المشتركة في منطقة تشهد أزمات متلاحقة.
إلا أن الجدل المتصاعد حول البند 622 يعكس انقسامًا أوسع بشأن حدود الدعم الأمريكي لإسرائيل، وما إذا كان ينبغي أن يتطور من الشراكة التقليدية إلى مستوى من التكامل الاستخباراتي الملزم قانونيًا، بما يحمله ذلك من فرص ومخاطر على الأمن القومي الأمريكي.