سياسة

القضية الفلسطينية في العلاقات العربية الأمريكية

الخميس 2017.12.14 10:48 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 265قراءة
  • 0 تعليق
 د. طارق فهمي

تدخل العلاقات العربية الأمريكية مرحلة صعبة في الفترة المقبلة مرتبطة بقرار الرئيس الأمريكي الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، والبدء مرحلياً في اتخاذ إجراءات نقل السفارة من تل أبيب إلى القدس، وهو ما رفضته الدول العربية بصورة منفردة و بصورة جماعية، من خلال اجتماع وزراء الخارجية، وكذلك على هامش اللقاءات العربية العربية الأخيرة، والتي ضمت الأطراف المباشرة.

حققت الإدارة الأمريكية مكاسب اقتصادية ضخمة من توقيع صفقات مهمة أكدت بالفعل على عمق العلاقات العربية الأمريكية، وهو ما يجب لهذه الإدارة أن تدرك أننا لم نوقّع شيكاً على بياض، وأن الدول العربية يمكن أن تراجع مواقفها وتوجهاتها وسياستها عند الضرورة من منطق المصالح أيضاً.

 أياً كان الرفض العربي والدولي غير المسبوق، وما سوف يؤدي إليه من تداعيات على مشهد العلاقات العربية الأمريكية في المدى المنظور، فإن هذا الأمر مرتبط بعدة أمور تُطرح في سياق عربي أمريكي في آن.

أولاً: ليس مطلوباً أن تُقطَع العلاقات العربية الأمريكية، فهذا الأمر مستبعد تماماً، ويؤدي لنتائج صفرية في إطار العلاقات العربية الأمريكية، وسيصب في مصلحة السياسات الإسرائيلية التي ستستثمر ما يجري في تنفيذ مخطط تهويد القدس، والانتقال من مرحلة تنفيذ المخطط الشيطاني القدس 2020 إلى القدس 2050، ولكن مطلوب مراجعة السياسات العربية بأكملها تجاه الوسيط الأمريكي الذي بات طرفاً منحازاَ ومؤيداَ تماماَ للحقوق اليهودية، ورافضاً ممارسة دور نزيه وعادل وفق متطلبات ومعطيات الحقوق الفلسطينية المشروعة، والتي تم إقرارها عبر سلسلة من القرارات التاريخية، والتي لا يمكن التنصل منها أو نفيها أو استبدالها على أي مستوى وفقاً لأهواء رئيس أو إدارة أو دولة، فقيّم الحق والعدالة والديمقراطية وتقرير المصير لا يمكن تجزئتها أو التعامل معها وفقاً لحسابات وتقييمات غير موضوعية وبقرارات انفرادية .

ثانياً: تمثل العلاقات العربية الأمريكية في ملفاتها السياسية والاستراتيجية والاقتصادية منظومة كاملة يصعب تفكيكها بإجراءات متعجلة ونظرية ربما تُطرَح في سياق رد الفعل والغضب الشعبي المقدّر، والذي لم يقتصر على العالم العربي، بل امتد إلى بقاع متعددة في العالم ومع دول ربما لا يعرف كثيرون مواقعها على الخارطة السياسية، وهو ما يؤكد أن رد الفعل العربي والدولي كان طبيعياً في ظل رمزية القدس بالنسبة للأديان السماوية بأكملها، وليس للعرب فقط.

وبالتالي فإن التعامل الجاد والمنطقي والموضوعي يدفعنا لتلمس مسارات جديدة مبدعة تتجاوز الأفكار القديمة والبالية، والتي لا تمثل أي تأثير على الجانب الأمريكي ومنها التهديد بسحب الاستثمارات أو قطع العلاقات، وإنما الأمر يتعلق بالبحث عن البديل الاستراتيجي مع التأكيد على أن الدول العربية لا تزال تنشد قيم السلام والتسوية، والتوصل لاتفاق كامل بين العرب وإسرائيل مع عدم المساس بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني .

ثالثاً: تملك الدول العربية وسائل ردع حقيقية في التعامل غير المباشر مع إسرائيل والمباشر مع الولايات المتحدة، إضافة لامتلاكنا قيم الحق والإنصاف والعدل التي يجب أن تُطبّق بعد سنوات طويلة من تغييب الإرادة السياسية عن عمد دولياً لمصالح إسرائيل ، وتثبيت دعائمها في قلب النظام العربي، وهو أمر قَبِلَه العرب لاعتبارات تتعلق بمسارات الحركة الدولية الأممية - برغم تكلفة ذلك سياسياً واستراتيجياً  - وبعد سنوات المواجهة التي قامت بين العرب وإسرائيل، بل وطرحوا المبادرة العربية التي ظلت مطروحة منذ 2002 إلى اليوم، فيما تحفّظت الحكومات الإسرائيلية تباعاً على نصوصها، بل وسعت إلى تفريغها من مضمونها، وهو ما استمر.

لكن هذه المبادرة باتت بالفعل وثيقة دولية وضمن مرجعيات الصراع، وحُفِظت في مجلس الأمن كمرجعية سياسية حقيقية لا يمكن إسقاطها بين يوم وليلة أو تجميد بنودها، لأن هذا ما تريده الحكومة الإسرائيلية بالضبط في إطار مسعاها للتأكيد على أن الدول العربية لم يعد لديها التوجه للاستمرار في التجاوب مع الطرح الأمريكي للسلام، وأنه من الضروري استثمار هذا الموقف للمصلحة الإسرائيلية بصورة شاملة، وترك الدول العربية والرأي العام يتفاعل مع التطورات السلبية في منظومة العلاقات العربية الأمريكية ، بما يتماشى مع الطرح الإسرائيلي الذي يركز على أن الدول العربية غير جادة في مسار السلام .

رابعاً: كيف إذن نتعامل مع الإدارة الأمريكية الجائرة والتي لا تريد أن تراجع سياستها وقراراتها؛ ليس فقط في قرار الاعتراف بالقدس الذي سيظل قراراً في الأصل باطلاً ولا يرتب أثراً قانونياً بالفعل، ومن ثم لا يمكن للولايات المتحدة أو لغيرها الوقوف أمام الشرعية الدولية، وهو ما يتطلب بالفعل استمرار الاتصالات ولو في إطارها الأقل مع استمرار توجيه الرسائل الدبلوماسية، وعبر قنوات عربية مباشرة بأن الاستمرار في هذا المسار المنحاز سيحمّل السياسة الأمريكية تكلفة عالية جداً.

ومن ثم فإن الأمر سيحتاج إلى آليات ضاغطة تركز على أن حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني يجب أن يكون على رأس الأولويات العربية تجاه الإدارة الأمريكية الحالية مع التأكيد على أن الدول العربية يمكن أن تقبل بخيار التعاون الإقليمي،  وعلى أن يتحول تدريجياً إلى إطار أشمل لما بات يُسمى أمريكياً السلام الاقتصادي الذي يروّج له مبعوثَا السلام كوشنر وجرنبلات، والذي يجب أن يتزامن معه سلام سياسي حقيقي يقوم علي اتباع معطيات الصراع وأسسه وقراراته المهمة التي ستظل حاكمة له، وليس الانطلاق من سياسة الأمر الواقع، وهو ما يتطلب عربياً إعادة تدوير المطالب العربية إزاء السياسة الأمريكية بالفعل مع العمل على إلحاق أطراف دولية مؤثرة إلى قلب الصراع، وهو أمر ستتحفّظ عليه الإدارة الأمريكية التي أفشلت من قبل ما عُرِف بمؤتمر موسكو لسلام الشرق الأوسط؛ كما عمدت لتخريب مؤتمر باريس 1 وتقف في مواجهة عقد فرنسا لمؤتمر باريس 2، والتي تخطط له في مواجهة الانحياز الأمريك​ي السافر لإسرائيل .

خامساً: إن الاقتراب الحاكم للسياسات الأمريكية تجاه التعامل مع الدول العربية يؤكد على أن هذه السياسات في مجملها تحكمها المصلحة المباشرة، وقد حققت الإدارة الأمريكية مكاسب اقتصادية ضخمة من توقيع صفقات مهمة أكدت بالفعل على عمق العلاقات بين الطرفين، وهو ما يجب لهذه الإدارة أن تدرك أننا لم نوقع شيكاً على بياض، وأن الدول العربية يمكن أن تراجع مواقفها وتوجهاتها وسياستها عند الضرورة من منطق المصالح أيضاً، وهو ما يتفق عليه الجميع في الدول العربية في مجموعها وأكدته اللقاءات والاتصالات العربية العربية الأخيرة، والتي أكدت وبعمق عن وجود أوراق ضاغطة حقيقية وممكنة في أيدي الدول العربية، والتي يمكن أن تتم في هدوء وتمثل رادعاً حقيقياً ومباشراً يمكن التعامل معه، وهو ما يجب أن يُنقَل للإدارة الأمريكية في الفترة المقبلة مع التأكيد على أن القضية الفلسطينية ستظل قضية العرب الأولى، وهي السبب في استمرار الاضطراب وعدم الاستقرار في الإقليم بأكمله.

وبدون التوصل لحل حقيقي فإن المنطقة لن تهدأ أو تستقر، وستتضرر المصالح الأمريكية لا محالة، وهو ما قد يمتد إلى الدول الحليفة أيضاً للولايات المتحدة، وهو ما يجب أن تضعه واشنطن في الاعتبار .....

النديّة في العلاقات العربية الدولية، وتوسيع دوائر التحرك العربي حق مشروع، ومن ثم فإن المطالبة بتوسيع دوائر التحالفات العربية في محيطها الإقليمي والدولي سيظل بالأساس أحد أهم مرتكزات الحركة العربية المُنتظَرة على كافة المستويات، ومن خلال الدائرة العربية في الأمم المتحدة، وفي مجلس الأمن تحديداً.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات