التحليلات

الفاتيكان.. أصالة الدور التاريخي وفعالية الموقف السياسي

السبت 2019.2.2 06:11 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 387قراءة
  • 0 تعليق
قداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية

قداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية

يتسم الفاتيكان بتعدد وتنوع عدد القوى الفاعلة والمؤثرة في إطاره، ونجم عن هذا التعدد وجود أكثر من وجه للقوة لدولة الفاتيكان التي تتوافر لديها الرغبة، والقدرة والميراث التاريخي، والروحي للتأثير في محيطها الإقليمي والدولي، وذلك على جميع المستويات السياسية، والاجتماعية، والدينية.

ولعل الفاتيكان يتصدر المشهد الغربي فيما يخص مسألة الزعامة الروحية، ورغم ما جرى من مياه تحت الجسر، وما حملته الثورات الفكرية في أوروبا من تجديد، وتحديث للفكر الديني؛ فقد ظل الفاتيكان يلعب دوره التاريخي كحامل للأيديولوجيا الدينية، وكعنصر جيوسياسي حيوي.

يحظى الفاتيكان بصورة ذهنية رائقة في الوعي الجمعي العالمي؛ فقد وصفه "وول ديورانت" المؤرخ الأمريكي في القرن العشرين، بأنه "أهم مؤسسة بشرية عرفها التاريخ المعاصر". وقال عنه "جون ألين جونيور" أحد كبار المراسلين لمجلة ناشيونال كاثوليك ريبورتر، إن "الفاتيكان ليس قلعة محاطة بالسرية بالفعل؛ ففي الحقيقة الفاتيكان أقل سرية بكثير من معظم المؤسسات الأخرى ذات الانتشار العالمي؛ كالحكومة الأمريكية مثلا، أو شركة كوكاكولا"، وأضاف أن "الفاتيكان لا يجمع صورا من أقمار صناعية تجسسية، وليس مهووسا بحماية تصميم أسلحة متطورة، وليست لديه أي أسرار تجارية أو قسم مختص بالأبحاث والتطوير، أو مخططات ترويجية يريد إبقاءها بعيدة عن المتطفلين، ونتيجة لذلك فإن معظم أعمال الفاتيكان تجري بشكل علني، خلافا لما يظنه الناس خارج الفاتيكان".

ربما تكون مدينة الفاتيكان صغيرة جدا، ولكنها من أكثر البلدان تأثيرا في التاريخ سواء دينيا أو إنسانيا؛ فهي المركز الروحي للكنيسة الكاثوليكية الرومانية، التي أسسها كبير الحواريين "بطرس الرسول" في العقد الرابع من القرن الميلادي الأول

كان عام 1929 هو موعد توقيع اتفاقية اللاتيران بين المؤسسة الكاثوليكية الرومانية، وبين إيطاليا، لتنشأ دولة الفاتيكان، التي تقدر مساحتها بنحو 0,44 كيلومتر مربع، ويعيش فيها نحو ألف شخص، لكنها كانت الأضخم والأكبر من حيث النفوذ العالمي. وبموجب اتفاق اللاتيران أضحت "الفاتيكان" دولة مستقلة يرأسها البابا روحيا ودنيويا.

ربما تكون مدينة الفاتيكان صغيرة جدا، ولكنها من أكثر البلدان تأثيرا في التاريخ سواء دينيا أو إنسانيا؛ فهي المركز الروحي للكنيسة الكاثوليكية الرومانية، التي أسسها كبير الحواريين "بطرس الرسول" في العقد الرابع من القرن الميلادي الأول، عرفت طريقها إلى مدينة روما، قبل أن تظهر دولة الفاتيكان بنحو 19 قرنا. وفوق كل ذلك تبقى مركز إشعاع روحي يتخطى هويتها الدينية البحتة، إلى هوية إنسانية تدافع عن الإنسان، أينما كان من دون تمييز ديني أو عرقي.

كما أنها مقر البابا، والكرسي الرسولي فيها يشير إلى السلطة العامة، والسلطة القضائية، والسيادة المخولة إلى البابا، ومستشاريه لتوجيه الكنائس الرومانية الكاثوليكية في جميع أنحاء العالم.

كما لعب الفاتيكان بسلطته الروحية، وقبل استقلاله عام 1929 دورا تاريخيا في حماية الهوية الدينية الأوروبية، في مواجهة الأديان الوثنية إضافة إلى دوره الكلاسيكي في إثبات فرادة وتميز الحضارة الأوروبية، خصوصا أن مسألة بناء هوية وطنية موحدة كانت طموحا كبيرا بالنسبة للأوروبيين. كما كان الفاتيكان بسلطته الروحية حاضرا بصورة لافتة في الحياة السياسية للمجتمعات الأوروبية منذ الحرب العالمية الأولى.

برز الدور الكبير للفاتيكان في صياغة هوية الاتحاد الأوروبي الدينية، خاصة بعد توقيع اتفاقية السوق الأوروبية المشتركة 1992، من خلال عودة الدين للعب أدور أساسية داخل الهياكل القانونية والدستورية للاتحاد الأوروبي. وفي عام 2002 وقع الفاتيكان على اتفاقية "مسيحيين من أجل أوروبا"، التي أكدت أن المسيحية ليست جذورا في الحضارة الأوروبية فحسب، بل هي حقيقة جماعية عالمية حية يجب تضمينها ضمن دستور أوروبا. ونجح الفاتيكان في إدخال الدين عنصرا أساسيا مؤسسا لهوية أوروبية عالمية.

على صعيد متصل، ثمة أدوار سياسية للفاتيكان -الدولة- لا تخطئها عين، باعتبارها ممثلا للكنيسة الكاثوليكية، ومؤتمنة على مصالحها في شتى أنحاء العالم.

وثمة دلالات عدة تلمح إلى أوزان سياسية تاريخية وصاعدة للفاتيكان عالميا، أولها توسيع العلاقة السياسية مع العالم الخارجي؛ حيث تقيم الفاتيكان علاقات دبلوماسية رسمية مع 174 دولة، من بينها 68 دولة لديها بعثات دبلوماسية مقيمة، ومعتمدة لدى الكرسي الرسولي، كما يتبع الفاتيكان نحو 106 بعثات دبلوماسية دائمة حول العالم.

وثانيها ترسيخ الدور الخارجي لبابا الفاتيكان لتحقيق السلام العالمي، باعتبار أن هذا الدور أصبح ضروريا للفاتيكان بالنظر إلى تصاعد الصراعات في قطاعات معتبرة من العالم، وكانت بارزة هنا استضافة الفاتيكان أطراف الأزمة السياسية التي تشهدها فنزويلا منذ أبريل 2017 إضافة إلى دعوة الفاتيكان إلى ضرورة وقف الصراع في سوريا واليمن وفتح المجال أمام المفاوضات السياسية.

كما يشكل موقف الفاتيكان؛ بما تمثله نخبه السياسية، والكنيسة الكاثوليكية مِن وزن دولي، وروحي كبير؛ بُعدا مهما في قضية الصراع العربي الإسرائيلي؛ فقد ظل الفاتيكان دائم السعي لدى الهيئات الدولية، والدول المحورية لتعجيل الحلول السلمية لإنهاء معاناة الفلسطينيين بشكل نهائي، والعمل على تثبيت دعائم السلام عبر تسوية شاملة توقف كل أشكال العنف، وأدوات الصراع في المنطقة. وفي خطوة أكثر جرأة اعترف الفاتيكان في مايو 2015 بدولة فلسطين رسميا، وفي أعقاب انتخاب نتنياهو وتراجع فرص السلام، وهي خطوة تستحق التقدير والاحترام وبخاصة في ظل البابا المتفتح فرنسيس.

خلف ما سبق، سعى الفاتيكان إلى تجاوز العقد السياسية مع القوى الدولية والإقليمية، في إطار يرتكز في جوهره على عقيدة التعايش والتسامح؛ ففي نوفمبر 2015 أكد بابا الفاتيكان خلال لقاء له مع زعماء يهود في ذكرى إعلان تعزيز العلاقات بين الكنيسة الكاثوليكية واليهود، أن مهاجمة اليهود هي أمر لا سامي، وأنه يمكن أن تكون هناك خلافات في الرأي ولكن من المهم تذكر أن لدولة إسرائيل الحق في الوجود.

سياسة القفز على الأزمات للفاتيكان كشف عنها أيضا، الاتفاق التاريخي مع الصين في سبتمبر 2018، والذي يقضى بحق الفاتيكان تعيين أساقفة في كنائس الصين الكاثوليكية. ويمثل هذا الاتفاق نجاحا محسوبا في خانة الفاتيكان الذي لا يقيم علاقات دبلوماسية مع بكين منذ عام 1951، بسبب إصرار بكين على أن يتوقف الفاتيكان عن الاعتراف بتايوان، ويعد بعدم التدخل في الشؤون الدينية في الصين.

تمثل الإمارات أيضا نموذج الإسلام الحضاري المعتدل البعيد عن التطرف؛ ومن ثم فهي من وجهة نظر الفاتيكان بيئة خصبة وحاضنة لنشر قيم التسامح والاعتدال،

ويرتبط الملمح الرابع بالمساهمة الفاعلة للفاتيكان في دعم مبادرات التسامح السياسية والإنسانية، التي أطلقتها أهم كتلة ناعمة إسلامية سنية ممثلة في دولة الإمارات العربية المتحدة، التي أعلنت عام 2019 عام التسامح؛ ما يؤكد دورها في تشجيع الاستقرار والازدهار في المنطقة.

ولذلك كانت الإمارات الدولة الخليجية الأولى التي تستقبل البابا؛ حيث تعد زيارة البابا فرنسيس لأبوظبي، والمقرر لها 3 فبراير المقبل، الأولى من نوعها لبابا الفاتيكان إلى منطقة الخليج العربي؛ ما يعكس الدور الحضاري للإمارات في نشر قيم التسامح والتعايش بين الأديان.

ويعلم الفاتيكان أن الإمارات العربية أكبر خط إنتاج عربي وإسلامي للقوة الناعمة، ناهيك عن صعود دورها الدولي والإقليمي سواء في تقديم المساعدات الإنسانية في مناطق الصراعات أو إدارة تسويتها، خاصة أن الإمارات باتت طرفا فاعلا في معادلة تسوية أزمات إقليم الشرق الأوسط، بالنظر إلى نفوذها السياسي والاقتصادي، ورسالتها التي تعتمد الحوار والتسامح للقفز على الصراعات الشائكة والمعقدة.

على صعيد ذي شأن، يأتي اختيار البابا للإمارات، نظرا لما تتسم به من مواقف إنسانية وروحية تحظى باحترام يتجاوز العالم الإسلامي. إضافة إلى دور الإمارات في تعزيز صيغة العيش المشترك القائمة على قاعدة الحريات الدينية. كما تعد الإمارات نموذجا في التسامح والتعايش الإنساني بين الثقافات والحضارات وأتباع الديانات المختلفة على أسس سليمة، قوامها الاحترام المتبادل وقبول الآخر وإشاعة روح المحبة والسلام.

تمثل الإمارات أيضا نموذج الإسلام الحضاري المعتدل البعيد عن التطرف؛ ومن ثم فهي من وجهة نظر الفاتيكان بيئة خصبة وحاضنة لنشر قيم التسامح والاعتدال، وبرز ذلك في تنظيم الإمارات العديد من المؤتمرات والفعاليات التي تعكس قيم الحوار بين الأديان، كان آخرها ملتقى تحالف الأديان من أجل أمن المجتمعات في دورته الأولى الذي احتضنته أبوظبي في ديسمبر الماضي، كما تُعَد الإمارات الدولة الوحيدة التي استحدثت منصب وزير دولة للتسامح في فبراير 2016، لترسيخ قيم التسامح والتعددية والقبول بالآخر المختلف.

خلاصة القول إن الفاتيكان بسلطته الروحية والسياسية يمثل متغيرا مهما في دفع التسويات السياسية للصراعات حول العالم عبر مداخل الحوار وتعزيز ثقافة السلام فضلا عن كونه منصة دينية تاريخية لها مكانة مقدسة لدى مختلف الطوائف والأعراق الدينية. ولعل زيارة بابا الفاتيكان للإمارات المقرر لها فبراير الجاري تحمل دلالة مهمة على حرص الفاتيكان على توسعة دوره في نشر ثقافة التسامح من جهة، وإدراكه من جانب آخر إلى الدور المحوري للإمارات في تعزيز ثقافة العيش المشترك، وكذلك قناعة قيادات الفاتيكان بأن أبوظبي باتت تمثل الساحة والمساحة الحقيقية لنشر قيم وثقافة التسامح.

تعليقات