سياسة

لا نبيع الوهم

الإثنين 2017.4.17 11:45 صباحا بتوقيت ابوظبي
  • 3838قراءة
  • 0 تعليق

تماماً كما تقول الحكمة القديمة: «إنك لا تستطيع إيقاظ من يتظاهر بالنوم»، نجد ذلك في جوانب أخرى يكون الإنسان طرفاً فيها، وتصدمك مواقفه التي لا تتسق مع ما يجري حوله، ومهما حاولت إقناعه بخطأ أو قصور ذلك الموقف، لن ترى سوى مزيد من ردات الفعل الصادمة.

في منهجيات اتخاذ القرار، هناك ما يُعرَف بمصيدة المرساة Anchor Trap، والتي تعني باختصار أنّ الإنسان إذا اتخذ قراراً خاطئاً، يقع أحياناً في مصيدة ادّعاء معرفة ما لا يعرفه غيره، والمكابرة على الخطأ بدعوى قصور أفهام الآخرين عمّا فهمه هو، فتراه يتخذ قراراته اللاحقة كلها، بما يصب في تأييد، أو بالأصح، «ترقيع» القرار الأصلي الخاطئ، فيصبح حجم الخطأ كبيراً للغاية، كذلك يحدث ذات الأمر لدى البعض الذي يؤمن بفكرة خاطئة أو يتبنّى موقفاً تم إيهامه بأنّه الصواب، فيعتبر ما سواه هو الخطأ، مهما كان جميلاً أو متميزاً، لكنّه في عُرْف أولئك البعض يبقى مشوّهاً، وحتى يُبقي «البرستيج» الذي يدّعيه لنفسه، لا بُد من الاستماتة في عدم الاعتراف بجمال ذلك الجميل، مهما كلّف الأمر.

منذ أيام، أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، البرنامج الوطني للفضاء، نعم يا سادة، برنامج الفضاء، وبصورة مفصّلة وشفافيةٍ غير مسبوقة، لكننا اعتدنا عليها هنا في «إمارات الرهان»، وليس كما عُهِد عن اجتماعات العرب ولقاءاتهم، والتي لا يخرج الخبر الرسمي بعدها عن «تم مناقشة الأمور ذات الاهتمام المشترك، واتُّخِذَ بشأنها القرارات المناسبة»، حيث اعتمد سموّهما استراتيجية ذلك البرنامج الطموح، والتي تعد أكبر خطة علمية متكاملة من نوعها في المنطقة، وتتضمن إنشاء أول مدينة علمية لمحاكاة الحياة على كوكب المريخ، وتضم متحفاً للمريخ ومختبرات متخصصة، إضافة إلى مختبر تجارب انعدام الجاذبية والبرنامج العربي لاستكشاف الفضاء، وإطلاق أكبر منتدى لعلماء المريخ في العالم، وتم إطلاق مجمع تصنيع الأقمار الصناعية، لتكون الإمارات أول دولة عربية تقوم بتصنيع الأقمار الصناعية بشكل كامل، وتصل كوكب المريخ في عام 2021، وتنشئ مستوطنة دائمة على الكوكب الأحمر بحلول عام 2117، ويتضمن البرنامج الوطني للفضاء أيضاً، برنامجاً جديداً لإعداد رواد فضاء إماراتيين، إلى جانب خطة طويلة الأمد حتى 2117، لبناء أول مستوطنة بشرية على الكوكب الأحمر، والوصول بمسبار الأمل خلال السنوات الأربع القادمة لكوكب المريخ.

الخبر رائع والبرنامج غير مسبوق، بل بالأصح غير مطروق في عالمنا العربي، وعندما تتحدّث واثقاً أنك ستصل بعون الله تعالى بعد أربع سنوات فقط للكوكب الأحمر، وتكون مطمئناً إلى سير مشروع إنشاء مسبار الأمل بأيدٍ إماراتية، حسب الجدول الزمني المتفق عليه مسبقاً، فأنت هنا لا تبيع وهماً، ولا تبحث عن إثارة صحافية، بل تتحدث عن واقع متألق بُني على تخطيط استباقي مختلف، وتم تنفيذه وفق برامج زمنية وضوابط جودة عالية، أصبحت رديفاً لاسم حكومة الإمارات وقدرتها على تحويل الأحلام إلى واقعٍ مُشاهَد، فما سبق هذا البرنامج من إنجازات، جعلت ثقة الـمُتابِعين كبيرة في نجاح هذا المشروع الكبير، ولا أدلّ على ذلك من الحفاوة الهائلة من المغرّدين إثر إعلان ذلك الخبر في حساب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد المكتوم في «تويتر»، والتي تعكس السمعة الرائعة التي وصلت لها بلادنا في ما يخص منتجها الحضاري الذي يكاد يغرّد وحيداً في منطقتنا.

أعود لحكمة المتظاهِر بالنوم، وأنا تتملكني الحيرة من غياب شبه تام لاحتفاء بعض المحسوبين على النخب المثقفة لدينا في الإمارات بهذه المنجزات الكبيرة، لو كانوا أصحاب وجود خافت لما لَاَمهم أحد، ولكن الغريب أن بعضهم يبدو وكأنه «حاط لحافه» بجانب مواقع التواصل الاجتماعي، لكثرة وجوده وخطابياته ومثالياته التي لا تتوقف فيها، ولا يترك أمراً يحدث في بلدان العالم إلا وأبانه ومدحه تلميحاً، إن لم يكن تصريحاً، لكنّ لا تجد شيئاً ذا بال عن بلاده، وإنْ فعل ذلك وضعه في تغريدةٍ وحيدة، ثم أتبعها بعشرات التغريدات لموضوعٍ آخر، وكأنه يحاول إخفاء «جريمة» ما كتبه في التغريدة الأولى.

البعض يقول إنّ فِعْل ذلك من باب التطبيل الذي يخدش موثوقية المثقف، ويؤثر في حياديته المطلوبة، بل إنّك أحياناً تستغرب وأنت تستقبل رسالةً نصيّة تقول لك «خف من التطبيل»، وأقول لا بارك الله في موثوقية لا تُنصِف الوطن، ولا بارك في حيادية «حَولاء» تمدح البعيد وتُعرِض عن القريب، من أجل تصفيق فئات مشحونة لا «يدخل لها من زور» أن ترى بلادنا لا تكتفي بالتفوق، بل تقفز بعيداً عن أقرب المحاولين للحاق بها، أمّا التطبيل فلا يكون إلا عندما يتم تسويق الوهم والتهليل للأمور الصغيرة، أمّا إبراز الـمُنجَز الحضاري اللافت، فإنّ من «العيب» و«رداءة الأصل»، ألا يتم إعطاؤه وإعطاء من قام به ما يستحق من التقدير.

السؤال هنا: ألا تنظر تلك الفئة من النُخَب المثقفة لمن وما حولهم، حتى تكون حياديتهم مبنيّة على واقع قائم، وليس على خيالات لا توجد إلا في أذهانهم، فمِن حولنا دولٌ بعضها فاشل بامتياز، وبعضها لا هم له سوى نشر الدمار والفوضى، وبعضها لا يأمن الإنسان على نفسه ولا يجد قوت يومه، ومبلغ حُلمه ليس مستقبلاً ملائماً، ولكن ألا يموت يومه ذاك هو أو عائلته.

إنّ المنجز الحضاري لبلادنا لم يتم عبثاً أو بدعاء الوالدين، ولكن بتوفيقٍ من الله سبحانه، ثم مجهود حكومة لا تتوقف عن العمل والإبهار، وهي في غِنى عن مديحي، ولكن من أبجديات الأدب أن يُعرَف لكل ذي فضلٍ فضله، ومَن بِخِلَ بالشكر لا يُعقَل بتاتاً أن يكون معطاءً لو كان له من الأمر نصيب، فالنِعَم تدوم بالشكر، وثقافة التقدير لا تنعدم إلا في النفوس البائسة، ومِن أراد فلينظر لما حولنا، حتى يعرف فضل الله، ثم فضل القائمين على أمر البلد، ولنتذكر قوله سبحانه: «أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويُتَخطَفَّ الناسُ مِن حولهم».

تعليقات