على مدار أكثر من قرنين، ظل البيت الأبيض، بوصفه رمز السلطة التنفيذية الأمريكية وأحد أكثر المباني السياسية شهرة في العالم، هدفاً دائماً للهجمات ومحاولات الاقتحام وأعمال العنف ذات الدوافع السياسية أو النفسية.
فمنذ بدايات القرن التاسع عشر، تعرّض المقر الرئاسي الأمريكي، بحسب موقع هيستوري، لسلسلة طويلة من الحوادث التي تنوعت بين الحرائق المتعمدة، ومحاولات الاغتيال، والهجمات المسلحة، والاختراقات الجوية، وصولاً إلى حوادث إطلاق النار الحديثة التي فرضت مراجعات متكررة لمنظومة الأمن الرئاسي في الولايات المتحدة.
وبينما نجحت بعض هذه الحوادث في إحداث اختراقات خطيرة، انتهت أخرى بإحباط المنفذين قبل الوصول إلى أهدافهم، لكنها جميعاً كشفت هشاشة الأمن في بعض المراحل، وحجم التهديدات التي واجهها البيت الأبيض عبر التاريخ.
في 24 أغسطس/آب 1814، وأثناء حرب 1812 بين الولايات المتحدة وبريطانيا، شهد البيت الأبيض واحدة من أخطر الهجمات في تاريخه، عندما اقتحمت القوات البريطانية العاصمة واشنطن وسيطرت على المبنى الرئاسي.
ووفقاً للروايات التاريخية، جلس الجنود البريطانيون لتناول الطعام من بقايا المائدة الرئاسية قبل أن ينهبوا المبنى ويشعلوا فيه النيران، في مشهد مثّل إهانة رمزية وسياسية كبرى للولايات المتحدة الناشئة آنذاك.

وكان الرئيس جيمس ماديسون وزوجته دوللي ماديسون قد غادرا إلى ولاية ماريلاند هرباً من الهجوم، بينما نجحت السيدة الأولى في إنقاذ اللوحة الشهيرة للرئيس جورج واشنطن قبل أن تلتهم النيران أجزاء واسعة من المبنى.
وبعد نحو ثلاثة عقود، وتحديداً في 16 أغسطس/آب 1841، اندلعت اضطرابات عنيفة أمام البيت الأبيض عقب استخدام الرئيس جون تايلر حق النقض ضد مشروع إعادة تأسيس بنك الولايات المتحدة، في خضم أزمة اقتصادية خانقة.
وتجمهر محتجون غاضبون أمام المقر الرئاسي، وقاموا برشق المبنى بالحجارة وإطلاق النار في الهواء، كما أحرقوا دمية تجسد الرئيس الأمريكي، في واحدة من أوائل موجات الغضب الشعبي التي استهدفت البيت الأبيض بشكل مباشر. وأدت تلك الأحداث لاحقاً إلى إنشاء قوة شرطة خاصة بمقاطعة كولومبيا لتعزيز الأمن داخل العاصمة.
وخلال سبعينيات القرن الماضي، بدأ البيت الأبيض يواجه نمطاً مختلفاً من التهديدات، ارتبط غالباً بأشخاص يعانون اضطرابات نفسية أو دوافع شخصية معقدة.
ففي 17 فبراير/شباط 1974، سرق الجندي الأمريكي روبرت بريستون مروحية عسكرية بعد فشله في التدريب على الطيران، وحلّق بها فوق الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض، ما دفع عناصر الخدمة السرية إلى إطلاق وابل من الرصاص باتجاه الطائرة لإجباره على الهبوط. وأُصيب بريستون بجروح طفيفة قبل أن يُودع لاحقاً في مصحة نفسية للملاحظة.
وبعد أقل من عام، وفي يوم عيد الميلاد الموافق 25 ديسمبر/كانون الأول 1974، اقتحم مارشال فيلدز بوابة البيت الأبيض بسيارته متجهاً نحو الرواق الشمالي، مدعياً أنه المسيح ومهدداً بتفجير ما بدا أنه حزام ناسف. واستمرت المواجهة مع قوات الأمن نحو أربع ساعات قبل أن يستسلم، ليتبين لاحقاً أن المتفجرات التي كانت مربوطة بجسده لم تكن سوى مشاعل ضوئية.
وشهد عام 1984 حادثتين منفصلتين أثارتا قلقاً واسعاً بشأن أمن الرئيس رونالد ريغان. ففي مارس/آذار من ذلك العام، راقب مكتب التحقيقات الفيدرالي ديفيد ماهونسكي، وهو كهربائي مدمن مخدرات سبق أن وجّه تهديدات للرئيس.
وعندما اقترب حراس البيت الأبيض منه قرب السياج الجنوبي ليلاً، أشهر بندقية صيد مقطوعة الماسورة، ما دفع أحد الحراس إلى إطلاق النار عليه وإصابته في ذراعه، قبل أن يُحال لاحقاً للعلاج النفسي.
وبعد أيام قليلة فقط، ظهر شاب عاطل عن العمل يُدعى أنتوني هولبرت قرب البوابة الشمالية الغربية حاملاً سيف ساموراي، ومطالباً بمقابلة الرئيس ريغان الذي كان يستضيف آنذاك الرئيس الفرنسي. وتمكن عناصر الأمن من إقناعه بإلقاء سلاحه والاستسلام بعد أن تبيّن لهم معاناته اضطرابات نفسية.
وفي 12 سبتمبر/أيلول 1994، وقعت واحدة من أخطر محاولات الاختراق الجوي للبيت الأبيض، عندما استولى فرانك يوجين كوردر، وهو جندي سابق وسائق شاحنة، على طائرة صغيرة من طراز “سيسنا” وقادها باتجاه الجدار الجنوبي للمبنى الرئاسي.

تحطمت الطائرة داخل المجمع، ما أدى إلى مقتل كوردر على الفور. وأشارت التحقيقات إلى أنه كان يمر بأزمة نفسية وعائلية حادة، بينما حال وجود أعمال ترميم داخل البيت الأبيض دون وقوع خسائر أكبر، إذ لم يكن الرئيس بيل كلينتون وعائلته داخل المبنى لحظة الحادث.
وبعد ستة أسابيع فقط، تعرض البيت الأبيض لمحاولة اغتيال مباشرة للرئيس كلينتون، عندما أطلق فرانسيسكو مارتن دوران عدة طلقات نارية باتجاه المبنى في 29 أكتوبر/تشرين الأول 1994، بينما كان الرئيس يشاهد مباراة لكرة القدم داخل جناح العائلة.
وتمكنت الخدمة السرية من السيطرة على المهاجم سريعاً، رغم اختراق إحدى الرصاصات نافذة في الجناح الغربي، قبل أن يُدان لاحقاً بمحاولة اغتيال رئيس أمريكي.
وفي 23 مايو/أيار 1995، تسلق ليلاند ويليام مودجيسكي، وهو عامل توصيل بيتزا وطالب سابق في علم النفس، السياج المحيط بالبيت الأبيض متجهاً نحو مقر إقامة الرئيس، حاملاً مسدساً تبيّن لاحقاً أنه غير محشو بالذخيرة.
وأطلق أحد الحراس النار عليه فأصابه في ذراعه، قبل أن تقرر المحكمة لاحقاً عدم مسؤوليته الجنائية بسبب حالته العقلية وإيداعه مصحة نفسية لعدة سنوات.
ومع بداية الألفية الجديدة، استمرت التهديدات الأمنية ضد البيت الأبيض. ففي 7 فبراير/شباط 2001، وبعد أسابيع قليلة من تنصيب الرئيس جورج دبليو بوش، لوّح روبرت بيكيت، وهو موظف سابق في مصلحة الضرائب يعاني اضطرابات نفسية، بمسدس أمام السياح والشرطة خارج البيت الأبيض، وأطلق عدة أعيرة نارية خلال مواجهة استمرت عشر دقائق، قبل أن يصيبه أحد عناصر الخدمة السرية في ركبته ويتم نقله للعلاج النفسي.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2011، أطلق أوسكار أورتيغا-هرنانديز عدة رصاصات من بندقية هجومية باتجاه البيت الأبيض، بينما كان الرئيس باراك أوباما وعائلته خارج واشنطن. وأصابت إحدى الطلقات نافذة مصفحة داخل المجمع الرئاسي، قبل أن يتم القبض على المهاجم وإدانته بتهم تتعلق بالإرهاب ومحاولة اغتيال الرئيس الأمريكي.
وفي السنوات الأخيرة، استمرت الحوادث الأمنية في محيط البيت الأبيض، بما يعكس تصاعد التهديدات المرتبطة بالعنف المسلح داخل الولايات المتحدة. ففي أبريل/نيسان 2026، وقع تبادل لإطلاق النار قرب فندق في واشنطن كان يستضيف حفل عشاء جمعية مراسلي البيت الأبيض، ما أدى إلى إصابة أحد عناصر الأمن وإثارة حالة من الذعر دفعت السلطات إلى تشديد الإجراءات الأمنية بشكل واسع.
وبعدها بشهر واحد فقط، شهد محيط البيت الأبيض حادثة إطلاق نار جديدة عندما فتح مسلح النار باتجاه نقطة تفتيش أمنية، فردّت قوات الخدمة السرية بإطلاق النار عليه وقتلته في المكان، بينما أُصيب أحد المارة وسط استنفار أمني واسع وإغلاق كامل للمنطقة المحيطة بالمقر الرئاسي الأمريكي.