تحريك الملف الرئاسي في لبنان حمل جملة من القراءات، لكنه يبقى أولًا وأخيرًا خطوة منطقية تواكب المنعطف الكبير الذي شهدته الأزمة في سوريا.
تحريك الملف الرئاسي في لبنان حمل جملة من القراءات. لكنه يبقى أولًا وأخيرًا خطوة منطقية وطبيعية تواكب المنعطف الكبير الذي شهدته الأزمة في سوريا. والذي بدّل في قواعد اللعبة العسكرية والسياسية بعد التدخل الروسي وخريطة الطريق للتسوية السياسية. وخلق معادلات جديدة وقلب موازين القوى. ولا شك في أن حضور جميع اللاعبين، إقليميين ودوليين، لقاءي فيينا مؤشر على استعدادهم إلى تقديم تنازلات، وعلى رغبة جماعية في وجوب دحر الإرهاب وإقفال الساحة السورية. وإذا كانت تفجيرات باريس شكلت دافعًا إلى شعور العالم بفداحة الأخطار الناجمة عن استمرار الحريق الشامي. وقربت الموقف الأوروبي من موقف "الكرملين" وقدمت «داعش عدوًّا أول»، فإن إسقاط تركيا مقاتلة روسية كشف عمق الهوة التي تفصل بين أهل التسوية، ليس بين أنقرة وموسكو فحسب، بل بين هذه وحلف شمال الأطلسي. لكن كلا الحادثين قدم ذخيرة إضافية لـ"الكرملين" ومشروعه الخاص بالتسوية.
جملة الأحداث التي شهدتها الأزمة السورية في الشهرين الماضيين دفعت جميع المعنيين إلى إعادة التموضع. وكان طبيعيًّا أن يشعر اللبنانيون كغيرهم بوجوب مواكبة ما يجري في سوريا والمستقبل الذي يرسم لها. كأنما ثمة عودة إلى تلازم المسارين. وكان طبيعيًّا أن يشعروا بأن ثمة سقفًا زمنيًّا لم يعد من الجائز تجاوزه. تمامًا كما وضع الروس سقفًا زمنيًّا لتدخلهم في الشام لا يتجاوز مطلع السنة المقبلة. فإما تسوية تستند إلى مفهومهم وتخدم مصالحهم وإما مواصلة الحرب. إذن ثمة رابط بين السقفين. حتى الآن كان واضحًا أن البلد الصغير أفاد من غطاء دولي وإقليمي أتاح له إبعاد النار عن ساحته، أو على الأقل حال دون سقوطه في الحريق المذهبي المشتعل في المنطقة... وإن لم يجنّبه جرائم الإرهاب. وكان لا بد للحوار بين «تيار المستقبل» و«حزب الله» أن يواكب التحول الكبير الذي طرأ على الأزمة السورية بنقلة نوعية. لم تعد المهمة تقتصر على إبعاد برميل البارود المحتقن عن النار المذهبية وهو كاد ينفجر في أكثر من مناسبة آخرها الجريمة الإرهابية في برج البراجنة.
لم يكن منطقيًّا أن يُجمع العالم على وجوب الحفاظ على الدولة السورية ومنع انهيار مؤسساتها وأن يواصل اللبنانيون مراقبة تحلل دولتهم وانهيار مؤسساتهم واقتصادهم. كان لا بد من التقاط اللحظة، أو محاولة اقتناص الفرصة لعلهم يتوافقون على انتخاب رئيس للجمهورية. وفي ظل استعصاء التفاهم على مرشح توافقي، وغياب التفاهم بين القوى المسيحية على مرشح يقدمونه إلى شركائهم في الوطن، جاء اللقاء بين سعد الحريري وسليمان فرنجية ليلقي أكثر من حجر في البركة الراكدة. يسوق أركان «تيار المستقبل» جملة اعتبارات محلية باتت معروفة أملت على السير في ترشيح زعيم «تيار المردة». ليس أقلها شعوره بأن جمهورًا واسعًا يحمّله القسط الأكبر مما يعانيه البلد من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية. وشعوره أيضًا بأن قوى الاعتدال التي يمثلها يتآكل نفوذها في ظل صعود التنظيمات الإرهابية وانتشارها. فضلًا عن الغموض الذي يكتنف صورة سوريا الجديدة التي لن تعود كما كانت أيًّا كانت صورة التسوية. والمهم في هذا المجال أن يكون لبنان جاهزًا لمفاعيل التسوية في سوريا، أيًّا كان مآلها، أو في أسوأ الأحوال أن يظل محافظًا على فك الاشتباك بينه وبين الحرب التي قد تستعر.
لم يكن فرنجية خيار الحريري وحده، فشريكه في الحوار يبحث عن إعادة تموضع. سيعود مقاتلوه من وراء الحدود، سواء انتهى الأمر بقيام «سوريا المفيدة» أو بانطلاق التسوية على وقع العمليات الروسية. وكان لافتًا أن زعيم «حزب الله» السيد حسن نصر الله الذي لم يكن منذ أشهر مهتمًا بمصير الحوار أو حتى بمصير الحكومة، انعطف هو الآخر. تبدلت حساباته. ولا بد من إعادة تموضع فرضها على الجميع الرئيس فلاديمير بوتين الذي أبلغ من يهمهم الأمر، دبلوماسيًّا وعسكريًّا على الأرض، أنه بات في وضع يمكنه التحكم بمجريات الأمور في سوريا. نادى السيد قبل أيام بتسوية شاملة و«تحت سقف الطائف». فلا مؤتمر تأسيسيًّا ولا مثالثة ولا يحزنون. هو يدرك أن رجاله سيعودون من سوريا عاجلًا أم آجلًا، أو سيطلب منهم مغادرتها إذا انطلقت المرحلة الانتقالية. ولا يريد تجديد الصراع حول سلاحه. فيما بات يدرك خصومه المحليون أن مسألة مشاركته في القتال خارج الحدود، كقضية سلاحه، أمر بات مرتبطًا بالموازين الإقليمية. وهو ما توافق عليه الحريري وفرنجية، وتبادلا الضمانات سواء بقي الأسد أم رحل. وهذا ما يريح «حزب الله» أيضًا. فضلًا عن أن رعاة تحييد لبنان، قريبين وبعيدين، لم يكونوا ولن يكونوا بعيدين عن خيارات اللبنانيين. ولا شك في رغبة إقليمية ودولية ملحة في إقفال ملف الرئاسة أشعلت الضوء الأخضر لعل لبنان يخرج من مأزقه ومرحلة المراوحة. وعندما يجلس المتخاصمون معًا إلى طاولة فيينا لا تعود هناك محظورات لعدم جلوس اللبنانيين إلى الطاولة.
وثمة مغالاة في قراءة خيار فرنجية للرئاسة. كأن يرى بعضهم أنه ليس عنصر طمأنة لحليفه في «8 آذار» فحسب، بل ضمان لجملة أقليات في المنطقة إذا كان لا بد من رحيل الأسد وتقديم ضمانات للعلويين وفئة واسعة من المسيحيين الذين ناصروه هنا في لبنان وفي سوريا. فالأمريكيون الذين صمّوا آذانهم عن مخاوف شركائهم الخليجيين من توسع إيران في المنطقة العربية، كانوا يتساءلون من باب الجزم أن الجمهورية الإسلامية لا يمكنها ابتلاع سوريا. الديموغرافيا المذهبية هنا -كما هي في اليمن- تختلف عما هي عليه في العراق، حيث إنها هنا أيضًا لم تستطع أن تهضم ما حاولت ابتلاعه! رغم أن ممثل المرشد علي خامنئي لدى «الحرس الثوري» علي سعيدي، عاد يردد أخيرًا معزوفة تمدد حدود بلاده إلى البحر الأبيض المتوسط وباب المندب. كأنه لا يشعر بحرارة النار التي تشتعل بين أيديهم في العراق واليمن وسوريا.
تلازُم المسارين يجب أن لا يعني أن تطول المرحلة الضبابية حتى يختار اللبنانيون رئيسهم أو يتوافقوا على فرنجية رئيسًا. إن طرحه مرشحًا أعاد خلط الأوراق، خصوصًا في أوساط القوى المسيحية التي عليها عاجلًا أن تحدد موقفها... إلا إذا توافق ميشال عون وسمير جعجع على مرشح آخر ليحرج كل طرف حليفه. أو إذا فاجأ رئيس «القوات اللبنانية» شركاءه في «14 آذار» التي لا يكاد يبقى منها شيء، حالها حال «8 آذار»، وأعلن دعم ترشيح الجنرال. عندها فليتنافس المتنافسون. المهم أن يكون لبنان حصينًا، سواء سلكت الأزمة السورية «خريطة الطريق» للتسوية، أو واصل الجميع خيار الحسم العسكري، كما يبدو حتى الآن. والكرة ليست في ملعب «المستقبل» و«حزب الله» وفرنجية وحدهم. إنها عند الشريك المسيحي من «التيار الوطني» و«القوات» و«الكتائب» وكل القوى الأخرى.
يظل هذا أفضل من انتظار ما ستؤول إليه الأزمة في سوريا حيث يميل الطرف الروسي إلى خيار الحسم العسكري في بلد يختلط فيه مزيج من الأعراق والمذاهب الذين يبدون تصميمًا على مواصلة القتال. وليس سرًّا أن أقطاب المعارضة السياسية السورية في الخارج يؤمنون بأن هدف موسكو إخراج «الجيش الحر» والفصائل المعتدلة من المعادلة. أو على الأقل تقسيم هذا الجيش وتفتيته. بعدها يسهل اختيار المعارضة المدجنة التي لا تملك ذراعًا عسكرية للتفاوض في فيينا أو جنيف. والنتيجة فرض تسوية تعيد إنتاج النظام. ولن يكون مهمًّا بعد ذلك بقي بشار الأسد أم رحل. ويكاد جميع المعنيين بالأزمة يأخذون على التدخل الروسي أن القليل من غاراته استهدف مواقع «داعش»، خصوصًا بعد تفجير الطائرة في سيناء.
لكن المفاجآت على الطريق الطويل للتسوية كفيلة بتغيير الحسابات وقلب الأولويات والسياسات. ولن تكون روسيا استثناءً. إثر اعتداءات باريس ثم إسقاط تركيا مقاتلة روسية، بات شبه مستحيل قيام هيكل دولي موحد لقتال التنظيمات الإرهابية. ليس لأن ثمة خلافًا على وضع لائحة موحدة بهذه التنظيمات فقط. وليس لأن المنخرطين في الأزمة السورية تختلف أهدافهم وسياساتهم فحسب. بل لأن ثمة عُقدًا يجب تفكيكها أولًا. فكيف يمكن للغرب التحالف مع دولة كبرى يفرض عليها عقوبات وحصارًا اقتصاديًّا؟ وكيف يمكن للولايات المتحدة القبول بالقتال إلى جانب إيران وميليشياتها وبعض هذه تضعهم على لائحتها لقوى الإرهاب؟ وكيف لتركيا التي يتلو فعل الندامة على ما فعلت مقاتلاتها بالطائرة الروسية أن تنخرط في تحالف يستند إلى رؤية تعتمد على الكرد بقيادة صالح مسلم القريب من حزب العمال الكردستاني فصيلًا أساسيًّا في قتال تنظيم «الدولة الإسلامية»؟ مثلما لا يستقيم وقوف السعودية وشركائها الخليجيين في خندق واحد مع خصومها الذين تستهدفهم في اليمن وسوريا والعراق، وإن جلست معهم إلى طاولة التفاوض، ومن الوهم تصور الجمهورية الإسلامية وقد تخلت بسهولة عما بنت لسنوات من بغداد إلى بيروت... كأنهم يجلسون إلى طاولة الحوار وأيديهم على الزناد إلى أن يحين موعد التفجير المقبل... إلا إذا استطاعت موسكو أن تطوّع القوى الإقليمية، وتحدّ من نفوذها وقدرتها على المنافسة، كما تحاول مع تركيا اليوم. وهذا أمر دونه عقبات، فأنقرة ليست وحيدة لا شرقًا ولا غربًا. ومثلها خصوم الأسد والمصرّون على رحيله. فهل تكتفي موسكو بـ«سوريا المفيدة» التي ترسخ الحل الفيدرالي في كل بلاد الهلال الخصيب بما فيه لبنان؟ ام أنها تنزلق عميقًا وتغامر بقوات برية من الجمهوريات الإسلامية الحليفة في وسط آسيا؟
*ينشر هذا المقال بالتزامن في جريدة "الحياة" وبوابة "العين" الإخبارية.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة