سياسة

التصويت البريطاني الفظيع يتحول إلى نقطة تحول

الإثنين 2016.6.27 09:57 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 184قراءة
  • 0 تعليق
سباستيان مالابي

ينظر للتصويت البريطاني بمغادرة الاتحاد الأوروبي وكأنه نقطة تحول في السياسة العالمية، وربما بصورة أكثر تبعية من أي شيء آخر منذ سقوط جدار برلين.

وربما نشهد اللحظة التي تواجه أوروبا فيها ضعفها الدستوري الواضح، عندما تنقضي «معقولية» الفكرة الغربية وعندما يتأكد الشعور الأميركي بأن مصلحة الولايات المتحدة تكمن في آسيا بأكثر مما كان عليه الأمر في مجال النفوذ والتأثير الأطلسي التقليدي.

سوف تشعر بريطانيا أولا بصدمة الاستفتاء الأخير. ومن الناحية السياسية، فقد أعلن رئيس الوزراء ديفيد كاميرون بالفعل أنه سوف يتنحى عن منصبه، ولكن بطريقة بطيئة ومؤلمة للغاية. وعملية استبداله تستلزم تصويتا من مرحلتين، إحداهما من جانب أعضاء حزب المحافظين في البرلمان، والثانية من جانب كبار وأقدم أعضاء حزب المحافظين، وهذه العملية من شأنها أن تستمر حتى الخريف.

وفي الأثناء ذاتها، ستقود «البطة العرجاء» البلاد خلال أزمتها عبر الفترة المقبلة. حتى مع اختيار الزعيم الجديد، فإما أن يكون من أنصار المغادرة، وفي هذه الحالة سوف يكون «أو تكون» على خلاف بّين مع أعضاء الأغلبية في البرلمان ­ وبالتالي يكون عرضة للتصويت بسحب الثقة، مما قد يؤدي إلى إجراء الانتخابات العامة المبكرة. ومن ناحية أخرى، أن يكون الزعيم الجديد من أنصار البقاء، وفي هذه الحالة سوف يكون «أو تكون» على خلاف مع نتيجة الاستفتاء التي جاءت بنسبة 72 في المائة.

وليس من شأن الموقف السياسي أن يشهد استقرارا ناجما عن التطورات السياسية الأخرى. وهناك أقاويل بأن حزب العمال قد ينتهز الفرصة للتخلص من زعيم الحزب اليساري جيريمي كوربن. ولقد توقع الحزب الوطني الاسكتلندي بالفعل إجراء استفتاء جديد حول الاستقلال عن المملكة المتحدة. وبالنسبة للأسواق المالية فسوف تكون هناك عواقب من دون شك في كل من بريطانيا وفي الخارج. وفعليا، تعرض الجنيه الإسترليني وسوق الأسهم في لندن لهزة شديدة في انتظار الركود المرجح وقوعه بين آن وآخر.

وهناك تصاعد لما يسمى بعملات الملاذ الآمن: الين الياباني والفرنك السويسري والدولار الأميركي. وبالنسبة لجميع هذه الاقتصادات، فإن العملات القوية تعني ضعف الصادرات وانخفاض التضخم.

وليست هناك توقعات بتشديدات مالية من قبل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في الوقت القريب. ولكن أكبر العواقب المتوقعة سوف تكون لصالح أوروبا ­ على مستوى الواقع وعلى مستوى الفكرة. فمن شأن التصويت البريطاني أن يشجع الشعبويين في كل مكان بالقارة: وبالفعل، طالب المتشككون الأوروبيون في كل من السويد وفرنسا وهولندا بإجراء نسخة مماثلة من الاستفتاء البريطاني في بلادهم. ومن المتوقع لتيار أقصى اليسار الماركسي الإسباني الجديد أن يفوز بربع الأصوات في انتخابات الأحد المقبل.

وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الناخبين الفرنسيين أكثر تشككا حيال الاتحاد الأوروبي وربما بدرجة أكبر من البريطانيين أنفسهم، وهو الشعور الذي سوف يساعد زعيمة اليمين المتطرف الفرنسية مارين لوبان في الانتخابات الرئاسية المزمع انعقادها العام المقبل. والحكومات الشعبوية تحتل سدة السلطة بالفعل في كل من اليونان والمجر وبولندا. والخوف من تداعي التماسك الأوروبي من شأنه أن يشعل الاضطرابات الاقتصادية في منطقة اليورو.

وتشهد السندات الحكومية في إسبانيا وإيطاليا درجات أكبر من المخاطر في الوقت الراهن حتى بات تماسك تلك البلاد في خطر محدق. خلال الأيام القليلة القادمة، يحتاج الزعماء الأوروبيون إلى إعادة تأكيد التزامهم بالاستقرار. ويمكن لألمانيا التخفيف من الصدمة الاقتصادية عبر التعهد بخفض معدلات الضرائب، وينبغي عليها الامتناع عن انتقاد البنك المركزي الأوروبي أثناء صياغته للتدابير النقدية الاستثنائية.

ينبغي على القوى الأوروبية مثل فرنسا وإيطاليا أن تتعهد بحالة طلاق سريعة ومعقولة مع بريطانيا حتى تحول دون إطالة حالة عدم اليقين السائدة. وعلى الولايات المتحدة، من جانبها، أن تظهر التزامها تجاه حلف شمال الأطلسي. فبعد التصويت بالخروج البريطاني، سوف تثور الشكوك حول ما إذا كانت بريطانيا سوف تلتزم فعليا بالدفاع عن الدول الأعضاء في الحلف مثل بولندا.

ومع قليل من الحظ، سوف يكون رجال الدولة على جانبي المحيط الأطلسي على مستوى ذلك التحدي ­ ولسوف تبدو تحذيراتي الشديدة حيال نقطة التحول التاريخية هذه، خاطئة. ولكننا لسنا في مواجهة اللحظة التي تتوافر فيها الحنكة والرؤية السياسية الحصيفة. لدى زعماء القارة الأوروبية تحدياتهم الشعبوية الداخلية القائمة التي يهتمون بشأنها، وهم ليسوا في مزاج يسمح لهم بمزيد من السخاء نجو جيرانهم.

وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن المزاج العام ليس مزاجا دوليا بكل تأكيد. ولم يضع دونالد ترامب اللحظة للاحتفال بالتصويت البريطاني المريع، كعادته.

*- نقلاً عن جريدة "الشرق الأوسط".

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات