ثقافة

"1984".. هل تسببت رواية جورج أورويل في مقتله؟

الإثنين 2018.6.25 08:46 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 318قراءة
  • 0 تعليق
الكاتب البريطاني الشهير

جورج أورويل الكاتب البريطاني الشهير

ربما منحت رواية "1984” كاتبها البريطاني ”إيريك آرثر بلير“ المعروف بـ ”جوروج أورويل“ مكانة عظيمة في عالم الأدب والروايات، فترجمت إلى أكثر من 65 لغة وأصبحت من أهم الأعمال الأدبية للقرن العشرين وبيع منها ملايين النسخ حول العالم ودخلت قائمة الأعمال العشر الأكثر تأثيراً في التاريخ، إلا أنها على الجانب الآخر قد تكون أودت بحياة الكاتب وجعلت أيامه الأخيرة أكثر قتامة وصعوبة.

يخبرنا الكاتب روبرت مكروم في مقال له في صحيفة الجادريان عن الظروف التي رافقت الكاتب خلال كتابة هذه الرواية والتي ربما تفسر السوداوية والبؤس التي اتسمت بهما أحداثها، فكتب أورويل الرواية خلال إقامته في جزيرة اسكوتلندية مهجورة حيث عانى من أمراض خطيرة، في وقت لم تكن أوروبا قد تعافت فيه من آثار الحرب العالمية الثانية التي قد خرجت منها للتو. 

ولربما بدأت فكرة الرواية تتشكل منذ الحرب الأهلية الإسبانية، إلا أنها اتخذت شكلها النهائي ما بين العامين 1943 و 1944 أي في الفترة التي تبنى فيها جوروج وزوجته طفلاً وسموه ”ريتشارد“. وبحسب أورويل نفسه، فقد استلهم جزءاً من أحداث روايته من اجتماع الحلفاء في مؤتمر طهران عام 1944، ويزعم أحد زملائه أن أورويل كان يؤمن بأن ستالين وتشرشل وروزفلت خططوا لتقسيم العالم في ذلك المؤتمر. 

حياة جورج أورويل قبل 1984

استفاد جورج أورويل من عمله لصحيفة ”ذا أوبسرفر The Observer“ السياسية والتي كانت تصدر كل أحد، فمع قرب انتهاء الحرب العالمية الثانية، أثمر التفاعل بين أفكاره الأولية لأحداث الرواية ومقالاته للصحيفة عن رواية أكثر تعقيداً وظلامية من أيٍّ من أعماله السابقة. أثناء ذلك تعرف أورويل على ديفيد أستور وعمل معه كمراجع للكتب بداية ثم كمراسل لدور النشر، ولاحقاً أصبح أستور صديقاً مقرباً لجورج أورويل، حيث كان لتلك الصداقة دور مهم في نشر رواية 1948.

إلا أن الصعوبات بدأت بمواجهة الكاتب بعد ذلك، بداية من جو الرعب العشوائي الذي عاشه سكان لندن، والذي رافقهم يومياً أثناء الحرب العالمية الثانية، مما انعكس بشكل واضح على أحداث الرواية التي كانت لا تزال قيد الكتابة آنذاك. لكن الأسوأ كان وفاة زوجته، إيلين، في مارس 1945 تحت التخدير أثناء عملية كان من المفترض أن تكون ”غير خطرة“، ليصبح الكاتب فجأة أرمل يرعى طفلاً بمفرده ويعمل بلا انقطاع ليتناسى حزنه ويوقف طوفان الندم الذي اجتاحه بعد وفاة زوجته المفاجئ، حيث كتب عام 1945 بمفرده 110 آلاف عمل لعدة صحف، منها 15 مراجعة لكتب مختلفة لصحيفة ”ذا أوبسرفر The Observer“

لذلك عرض أستور على جورج أورويل الذهاب إلى كوخ يملكه في ”جورا“ التي تقع على جزيرة اسكوتلندية لقضاء عطلة قد تساعده على تجاوز الظروف الصعبة التي يمر بها، وفي مخاطرة جريئة، وافق أورويل على ذلك على الرغم من مرضه والبرد القارس الذي ضرب المنطقة ذاك الشتاء (1947-1948) حيث وصف بأنه الأبرد في القرن العشرين، وعبر في مراسلاته مع وكيل أعماله عن استمتاعه بعزلته وبعده عن الصحافة والعمل الصحفي. 

وخلال إقامته في المنزل المتواضع المطل على البحر، استمتع أورويل ببساطة الحياة هناك مع أخته أفريل التي كانت بمثابة مربية لابنه ريتشارد، بلا كهرباء ولا إنارة، حيث استخدم مصابيح البارافين وغاز الكالور لتسخين المياه والتدفئة، وكان الراديو هو وسيلة الاتصال الوحيدة له بالعالم الخارجي، وعلى الرغم من أن المنزل كان يشعره بالراحة فإنه لم يوفر له بيئة صحية. 

وفي جورا تحرر الكاتب من ضغوط الصحافة التي طالما أرادت إجراء حوار معه عن أعماله وأثرها والمحاضرة عنها ومصدر إلهامه وما إلى هنالك، إلا أن عزلته كان لها ثمن أيضاً. فبالنسبة للكاتب لم تكن الكتابة مجرد عمل إبداعي فحسب، وإنما ”صراع وإرهاق، كنوبة طويلة من المرض، ولا يقدم على عمل كهذا إلا إنسان تقوده شياطين لا يمكنه مقاومتها أو فهمها“ وذلك كما كتب أورويل نفسه في مقال نشره قبل ذلك بعنوان ”لماذا أكتب؟“

رواية 1984

في مايو 1947 بدأ أورويل بكتابة الرواية وكتب لناشره: ”كان عليّ أن أكتب ثلث المسودة على الأقل، لكنني لم أنجز هذا القدر بسبب صحتي المتهالكة“ ومع إدراكه لنفاذ صبر الناشر، توقع أورويل إنهاء المسودة الأولى للرواية بحلول شهر أكتوبر، إلا أنه عاد وطلب مدة 6 شهور أخرى. وبعد اشتداد المرض عليه وإصابته بالتهاب الرئة، عمل أورويل بوتيرة محمومة لإنهاء روايته حيث اعتاد الزوار سماع صوت ضربات أصابعه على آلة الكتابة من غرفته في الطابق العلوي.

لكن، وفي شهر نوفمبر من عام 1947، تم تشخيصه بالسل، وأقر أورويل في رسالة لصديقه ووكيل أعماله آستور بأنه لم يذهب للطبيب بعد إحدى نوبات المرض الشديدة لأنه ”أراد إنجاز الكتاب الذي يعمل عليه“. ولم يكن قد تم اكتشاف علاج للسل آنذاك عدا عقار تجريبي ”الستربتومايسين“ وعده وكيله بشحنه من الولايات المتحدة. ويعتقد ابن أورويل أن أباه قد أُعطي جرعات مفرطة من ذاك العقار والتي أدت لآثار جانبية مروعة، إلا أن أورويل كتب في عام 1948 ”يبدو أن الدواء قد قام بدوره“ فعلى الرغم من تأثيره السلبي على باقي جسمه، فإنه أخفى أعراض السل كافة. 

وما إن غادر أورويل المشفى حتى تلقى رسالة من ناشره يطالبه فيها بإنهاء الرواية بنهاية العام، فوعده جورج بإتمام الكتاب بداية ديسمبر 1948، ليكون ذلك بمثابة مسمار آخر يدق في نعش الكاتب مما سببه من ضغط نفسي يعتقد أنه زاد من حدة مرضه ولم يساعده على التعافي. 

النشر

أصبحت كتابة النسخة النهائية من الرواية معركة أخرى على جورج أورويل أن يخوضها، فلم يكن راضياً عن النسخة الأولية وشعر أنها غير مفهومة ”وسيئة للغاية“ وطويلة جداً وشعر أنه كان له أن يكتبها بشكل أفضل لو لم يصب بالسل أثناء تأليفها. شعر أورويل بعد تردّي حالته الصحية بسباق مع الوقت لإتمام كتابة الرواية ورفض توظيف طباعين لمساعدته في إتمام النسخة الأخيرة، واستمر بكتابتها حتى حين عجز عن القيام من سريره، حيث ثابر على الكتابة على آلته الطابعة ولم يكن له معين سوى أكواب القهوة والشاي وحرارة مصابيح البارافين حتى أتم كتباتها في 30 نوفمبر. 

أدخل أورويل بعد ذلك إلى مصحة لعلاج السل وتبين لاحقاً أنه أجّل زيارة المشفى على الرغم من ضرورتها بسبب العمل على الرواية، حيث أخبر صديقه آستر: ”كان عليّ فعل ذلك من شهرين، لكنني أردت إنهاء العمل على ذلك الكتاب“. 

قرر آستر فيما بعد كتابة مقال تعريفي خاص بأورويل تزامناً مع الطقوس المرافقة لنشر الرواية، والتي استطاع أورويل أن يجاريها إلى حد ما وكتب بعض البيانات والإصدارات، وشعر أخيراً بالرضا عن ما كتب، إلا أن صحة أورويل استمرت بالتراجع حتى مازح صديقه ”لن أتفاجئ إن تغير ملف التعريف الذي تكتبه وأصبح نعياً“.

نشرت الرواية في يونيو من عام 1949 ولاقت أصداء إيجابية عالمياً واعتبرت تحفة أدبية، وقرأها أهم شخصيات القرن العشرين فور نشرها منهم وينستون تشرشل الذي أخبر طبيبه أنه قرأها مرتين.

توفي أورويل بعد 6 شهور تقريباً من نشر روايته، حيث عانى من نزيف حاد في 21 يناير 1950، وفارق الحياة وحيداً في المشفى، حيث تلقى ابنه وأخته خبر وفاته أثناء وجودهم في ذلك المنزل في جورا من الراديو ذاته الذي كان يوماً وسيلة الاتصال الوحيدة لجورج بالعالم الخارجي. 

تعليقات