الذكاء الاصطناعي يربك حسابات الفيدرالي الأمريكي.. انقسام حول مستقبل الفائدة
تكشف وثائق الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي عن مرحلة غير مسبوقة من التباين في الرؤى، حيث تتصارع مخاطر التضخم مع رهانات الذكاء الاصطناعي وتداعيات التوترات الجيوسياسية، في رسم ملامح السياسة النقدية المقبلة.
أظهر محضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي)، الصادر الأربعاء، انقساما واضحا بين أعضاء لجنة السياسة النقدية بشأن المسار المتوقع للتضخم، وما إذا كان سيواصل الارتفاع أم سيتراجع مع انحسار تداعيات الحرب في إيران.
وفي أول محضر اجتماع يصدر خلال رئاسة كيفن وارش للاحتياطي الفيدرالي، أشار العديد من أعضاء اللجنة، التي تضم 19 مسؤولا، إلى أن سعر الفائدة الرئيسي سيظل دون تغيير أو قد ينخفض بشكل طفيف عن مستواه الحالي البالغ 3.6% بحلول نهاية العام. وفي المقابل، رأى العديد أيضا أن أسعار الفائدة قد تحتاج إلى الارتفاع قبل نهاية العام.
وفقا لوكالة أسوشيتد برس، أظهرت التوقعات الصادرة عقب اجتماع 17 يونيو/حزيران أن نصف صناع السياسات الثمانية عشر الذين قدموا تقديراتهم يؤيدون رفع أسعار الفائدة بحلول نهاية العام، بينما يرى النصف الآخر الإبقاء عليها دون تغيير أو خفضها. ولم يقدم وارش أي توقعات، انطلاقا من قناعته بأن الإفصاح المسبق عن المسار المتوقع قد يقيد صناع القرار إذا تغيرت الأوضاع الاقتصادية لاحقا.
انقسامات عميقة
سلط المحضر الضوء على الانقسامات العميقة داخل الاحتياطي الفيدرالي، خصوصا فيما يتعلق بمستقبل التضخم.
فبينما توقع معظم صناع السياسات تراجع الضغوط التضخمية مع انخفاض أسعار الوقود وتلاشي تأثير الرسوم الجمركية، أعرب عدد من المسؤولين عن مخاوفهم من أن تؤدي الاستثمارات الضخمة في تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى إبقاء التضخم عند مستويات مرتفعة، نتيجة ارتفاع أسعار أشباه الموصلات وغيرها من المنتجات التكنولوجية.

كما أشار المحضر، الذي صدر بعد 3 أسابيع من اجتماع 16 و17 يونيو/حزيران، إلى أن عددا محدودا من المسؤولين رأى وجود مبررات لرفع أسعار الفائدة خلال الاجتماع، إلا أنهم وافقوا في النهاية على تثبيت الفائدة، وهو القرار الذي صدر بإجماع أعضاء اللجنة. ولم يكشف المحضر عن هوية المسؤولين الذين تبنوا أيًا من هذه المواقف.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد عيّن كيفن وارش في وقت سابق من العام الجاري خلفا لجيروم باول، الذي انتهت ولايته في مايو/أيار الماضي. وسبق لترامب أن انتقد باول مرارا بسبب ما اعتبره تباطؤا في خفض أسعار الفائدة، إلا أن المؤشرات الحالية لا توحي بأن وارش يتبنى توجها أكثر ميلا للتيسير النقدي.
وفي الوقت نفسه، لا يزال جيروم باول عضوا في لجنة السياسة النقدية بصفته عضوا في مجلس المحافظين، وهي ولاية تمتد حتى يناير/كانون الثاني 2028.
وخلال المؤتمر الصحفي الذي أعقب اجتماع 17 يونيو/حزيران، أكد وارش أن الاحتياطي الفيدرالي ملتزم بإعادة التضخم إلى مستواه المستهدف عند 2%، وهو الهدف الذي لم يتحقق منذ أكثر من 5 سنوات.
وفسر اقتصاديون ومستثمرون في وول ستريت هذه التصريحات على أنها إشارة إلى احتمال رفع أسعار الفائدة في وقت لاحق من العام.
محرك جديد للتضخم
كشف محضر الاجتماع أن أحد أبرز مصادر القلق لدى عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي يتمثل في الطفرة الاستثمارية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والتي قد تؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية عبر رفع أسعار أشباه الموصلات، ومعدات الحوسبة، والطاقة الكهربائية، في ظل الاستهلاك الضخم لمراكز البيانات.
وأوضح المحضر أن "العديد من المشاركين أشاروا إلى أن الطلب القوي والمستمر على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد يبقي الضغوط الصعودية على أسعار المنتجات التكنولوجية والكهرباء".

وفي هذا السياق، أعلنت شركة أبل الشهر الماضي رفع أسعار أجهزة الحاسب المحمول وأجهزة آيباد بسبب ارتفاع تكلفة رقائق الذاكرة.
شهدت معدلات التضخم تسارعًا منذ الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير/شباط، لتصل إلى 4.2% خلال مايو/أيار، وهو أعلى مستوى في 3 سنوات. ومع تراجع حدة الصراع وانخفاض أسعار الوقود، تتزايد التوقعات بانخفاض وتيرة التضخم مع صدور بيانات يونيو/حزيران الأسبوع المقبل.
لكن الاحتياطي الفيدرالي يواجه مصدر قلق آخر يتمثل في ارتفاع توقعات الأمريكيين باستمرار التضخم. إذ إن اقتناع المستهلكين والشركات باستمرار ارتفاع الأسعار قد يدفع الشركات إلى رفع أسعارها استباقيًا، كما يشجع العمال على المطالبة بأجور أعلى، بما يكرس الضغوط التضخمية.
وأعلن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، الثلاثاء، ارتفاع مؤشر توقعات المستهلكين للتضخم خلال العام المقبل إلى 3.7%، وهو أعلى مستوى في نحو 3 سنوات، فيما ارتفعت توقعات التضخم للسنوات الثلاث المقبلة إلى 3.3%، مسجلة أعلى مستوى في 4 سنوات.
ويؤكد معظم مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، بمن فيهم كيفن وارش، أنهم يراقبون هذه التوقعات عن كثب، رغم أن كثيرا منهم يمنحون وزنا أكبر للمؤشرات المستمدة من الأسواق المالية، باعتبارها أكثر استقرارا ودقة من استطلاعات رأي المستهلكين في تقييم اتجاهات التضخم المستقبلية.