صناعة الصواريخ على طريقة الوجبات السريعة.. رهان أمريكي للحروب المقبلة
تتجه الولايات المتحدة إلى تطوير نموذج جديد لإنتاج الصواريخ يقوم على التصنيع السريع ومنخفض التكلفة وبكميات كبيرة، مستلهمة نموذج مطاعم «الوجبات السريعة».
جاء ذلك في ظل تراجع مخزوناتها من الذخائر خلال الحرب مع إيران، وما وصفه مسؤولون وخبراء بالحاجة الملحة إلى تغيير أسلوب الإنتاج العسكري، وفق صحيفة «فايننشيال تايمز» البريطانية.
وبحسب الصحيفة، فإن عددا من شركات الصناعات الدفاعية الأمريكية تعمل على تطوير ورش إنتاج معيارية يمكن نشرها في أنحاء البلاد خلال الحرب، لإنتاج الصواريخ بسرعة وعلى نطاق واسع، في محاولة لمعالجة محدودية الإنتاج وارتفاع تكاليف الأسلحة الحالية.
مشكلة الإنتاج التقليدي
قال دوغ دينيني، وهو محارب قديم ورئيس شركة كو أسباير الدفاعية، إن «منشأته في ولاية فيرجينيا أُعدت للتحرك بسرعة عند الحاجة، حيث تضم محطات عمل لتجهيز الصواريخ وإدخال الرؤوس الحربية فيها».
وأوضح في تصريحات لـ«فايننشيال تايمز» أن «الورشة صُممت لمعالجة مشكلة تتمثل في أن الولايات المتحدة لا تنتج عدداً كافياً من الصواريخ، كما أن تكلفة إنتاجها مرتفعة للغاية».
وبحسب الصحيفة، فإنه حتى إذا عملت وزارة الدفاع الأمريكية بكامل طاقتها الإنتاجية، فستحتاج إلى سنوات، وليس إلى أشهر، لتعويض الصواريخ التي أُطلقت خلال الحرب مع إيران.
وتنتج الولايات المتحدة نحو 600 صاروخ «توماهوك» سنوياً، ويبلغ سعر الصاروخ الواحد نحو 2.6 مليون دولار، فيما تصل تكلفة صاروخي بي آر إس إم وجاسم إلى نحو 1.6 مليون و1.9 مليون دولار على التوالي.
وقال مايكل هورويتز، المسؤول السابق في البنتاغون عن ابتكار التقنيات الدفاعية، إن الترسانة الأمريكية تعتمد على أنظمة أسلحة باهظة الثمن، فائقة التطور وصعبة الإنتاج.
وأضاف أن الولايات المتحدة دخلت مرحلة مختلفة من الحروب تستوجب تغيير هذا النهج.
برامج جديدة للتوسع
وأشار التقرير إلى وجود عدد متزايد من المشاريع التجريبية وبرامج شراء الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وطلب سلاح الجو الأمريكي نحو 12 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة لشراء 28 ألف صاروخ.
فيما كشف برنامج آخر للبنتاغون عن خطة لشراء 10 آلاف صاروخ يُطلق من البر خلال السنوات الثلاث المقبلة.
وأوضح دينيني إن بعض هذه الصواريخ يمكن إنتاجها بكميات كبيرة داخل منشآت بسيطة يمكن إنشاؤها في أماكن مختلفة من الولايات المتحدة عند اندلاع الحرب، مضيفاً: «يمكن بناء هذا في صالة ألعاب بمدرسة ثانوية».
نموذج مطاعم «الوجبات السريعة»
ويشبه دينيني ورشته بنموذج لأحد مطاعم «الوجبات السريعة الشهيرة» في صناعة الصواريخ.
وأوضح أنها لا تعتمد على آلات معقدة، وأن كل صاروخ يمكن تصنيعه باتباع تعليمات مدونة في دفتر، بينما يستطيع ميكانيكي جديد، باستخدام أدوات يدوية، تعلم تجميعه خلال شهر واحد.
وتضم الورشة عدداً محدوداً من الطابعات ثلاثية الأبعاد التي تنتج المكونات على مدار الساعة، إلى جانب مكاتب للمهندسين.
وتعد «كو أسباير» واحدة من شركات دفاع ناشئة عدة، إلى جانب شركة أندوريل، تعمل على تسريع الابتكار في هذا المجال.
وأعلنت الشركة أنها طورت صاروخها الأول للبنتاغون خلال 4 أشهر، وتتوقع إنجاز الصاروخ الثاني خلال 5 أشهر.
صواريخ أقل كلفة
وحصلت شركة كاستيليون، التي تأسست قبل 3 سنوات، على عقد لإنتاج أكثر من 12 ألف صاروخ فرط صوتي خلال 5 سنوات.
وتتوقع الشركة، بعد تشغيل منشأتها في ولاية نيومكسيكو بكامل طاقتها، إنتاج 6 آلاف صاروخ سنوياً، بكلفة تبلغ نحو 400 ألف دولار للصاروخ الواحد، كما تدرس إنشاء مواقع إنتاج إضافية.
وقال الشريك المؤسس أندرو كرايتز، وهو مسؤول سابق في سبيس إكس، إن الكمية والكلفة والتوافر عناصر أساسية، مؤكداً أن تجاوز اختناقات الإنتاج يتطلب الاعتماد على مكونات متوافرة بالفعل على نطاق واسع.
وأضاف أن التصميم يجب أن يراعي منذ البداية سهولة التصنيع وانخفاض التكلفة، بما ينعكس على جميع القرارات الهندسية.
ولهذا صممت كو أسباير أحدث صواريخها باستخدام مكونات جاهزة متوافرة في الأسواق، من بينها محركات مخصصة لهواة الطائرات اللاسلكية، بينما استخدمت كاستيليون مكونات تدخل عادة في صناعة السيارات.
وقال فابيان هوفمان، من جامعة أوسلو، إن هذه الشركات قادرة على رفع إنتاجها إلى آلاف الصواريخ سنوياً في زمن السلم، فيما يمكن للتمويل خلال الحرب أن يرفع الإنتاج إلى آلاف الصواريخ شهرياً.
دروس الحرب
وأوضح التقرير أن الولايات المتحدة استعدت طوال عقود لخوض حروب تعتمد على أسلحة متطورة تقوم على مبدأ «الصدمة والترويع»، إلا أن الحرب في أوكرانيا أبرزت أن الحروب الاستنزافية أصبحت تعتمد على حجم الإنتاج.
وأضاف أن تجربة الحرب مع إيران عززت هذه الاستنتاجات، إذ أن إنتاج صواريخ تناسب الحروب السابقة قد يؤدي إلى خسارة الحروب المقبلة.
وأشار إلى أن محللين كانوا قد قدروا، قبل الحرب مع إيران، أن الولايات المتحدة قد تستنفد بعض مخزوناتها الرئيسية خلال أسابيع إذا اندلع صراع مع الصين.
واعتبر تقرير فايننشسال تايمز، أن امتلاك مخزونات أكبر سيمنح الولايات المتحدة القدرة على خوض حرب طويلة عبر إطلاق مئات الصواريخ الدقيقة يومياً، بقوة تدميرية وسرعة أكبر من الطائرات المسيّرة الانتحارية المستخدمة في أوكرانيا والشرق الأوسط.
توسيع إنتاج المسيّرات
بالتوازي مع الصواريخ، بدأت الولايات المتحدة توسيع إنتاج الطائرات المسيّرة.
واستخدمت لأول مرة خلال فبراير/شباط المسيّرة الانتحارية لوكاس، التي طورتها شركة «سبيكتر ووركس» عبر الهندسة العكسية للمسيّرة الإيرانية «شاهد-136».
ويسعى البنتاغون إلى إنتاجها على نطاق واسع، كما طلب زيادة الإنفاق على الطائرات المسيّرة والتقنيات المرتبطة بها إلى أكثر من 74 مليار دولار في العام المقبل، أي ما يقارب 3 أضعاف المستوى الحالي.
الردع وتحديات التنفيذ
ولفت دينيني إلى أن القدرة على إعادة إنتاج الصواريخ بسرعة وبكلفة معقولة تعزز الردع، لأن الخصوم سيدركون أن الولايات المتحدة تستطيع إعادة ملء مخزوناتها بسرعة.
لكن توم كاراكو، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أشار إلى أن هذا التحول يتطلب قبول البنتاغون بأن الأسلحة الأقل تكلفة قد لا تتمتع بالمستوى نفسه من الدقة والاعتمادية الذي توفره الأنظمة الحالية.
وأضاف أن شركات الصناعات الدفاعية ستحتاج إلى طلبيات كبيرة من البنتاغون حتى تتمكن من التوسع واختبار وتطوير الأسلحة الجديدة.
من جانبه، قال جون فيراري، القائد العام السابق لميدان «وايت ساندز» لتجارب الصواريخ، إن «الأنظمة الجديدة يجب أن تكون سهلة الاستخدام بالنسبة للجنود».
وأضاف: «عليك أن تصمم البرمجيات بحيث يستخدمها الجنود بالطريقة نفسها التي يستخدمون بها هواتفهم آيفون».