الذكاء الاصطناعي.. محرك كفاءة الطاقة
وصف وزير الطاقة الأمريكي السابق، ستيفن تشو، كفاءة الطاقة بأنها «ليست مجرد حلول سهلة المنال» بل «فرص متاحة للجميع»، ومع ذلك، ورغم فعاليتها من حيث التكلفة، فإن هذه الطريقة الحاسمة لخفض الانبعاثات الكربونية لا تُستغل بالشكل الأمثل.
وتعتبر عملية تحديد مواطن هدر الطاقة وكيفية هدرها عملية معقدة وتستغرق وقتًا طويلاً، ولهذا السبب لا تُعتمد التقنيات والممارسات الإدارية في هذا المجال على نطاق واسع كما ينبغي، وقد يُغير الذكاء الاصطناعي هذا الواقع.
ويقول رئيس قسم كفاءة الطاقة في وكالة الطاقة الدولية، برايان موذروي، "يستطيع الذكاء الاصطناعي تحديد مواطن الخلل والهدر، ولا يتطلب الأمر خمسة أشخاص حاصلين على شهادات دكتوراه يراقبون الشاشات طوال اليوم".
الذكاء الاصطناعي حل فعّال لتحسين كفاءة الطاقة
وفي المصانع الكبيرة التي تضم آلاف المحركات والصمامات وغيرها من المعدات، على سبيل المثال، يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل كل شيء وإجراء تعديلات لتحسين الكفاءة.
وقال مضيفا، "يتجاوز التعامل مع كل هذه البيانات قدرة أي شخص".
هناك حاجة ماسة إلى دفعة قوية. تُظهر بيانات وكالة الطاقة الدولية أن وتيرة التقدم نحو تحقيق أهداف الكفاءة العالمية تتباطأ، لا سيما في القطاع الصناعي. يقول موذروي: "هذا الأمر مفاجئٌ بعض الشيء، لأنه يُظهر الجدوى المالية بوضوحٍ تام".
لكنه يُضيف أنه لا ينبغي الاستهانة بالعوائق التي تحول دون تبني كفاءة الطاقة، "قد يُعجب الرئيس التنفيذي بفكرة افتتاح أسطح مُغطاة بألواح الطاقة الشمسية، لكن من الصعب أن يتحمس لفكرة تركيب غلاية".
ويقول الباحث المتقدم في مجال التعلم الآلي بمعهد غرانثام لتغير المناخ والبيئة في إمبريال كوليدج لندن، سيزار كيلودران-كاساس، إن استثمارات كفاءة الطاقة تُحقق نتائج أبطأ وأقل وضوحًا من التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، ويضيف، "إنها ليست قصة تستحق أن تُروى".
في الوقت نفسه، غالبًا ما يتطلب رفع كفاءة الطاقة تحديثات للمعدات، وهو ما قد يكون أكثر تعقيدًا من بناء مزرعة رياح أو محطة طاقة شمسية.
ويقول مدير الطاقة في مجموعة المناخ، وهي منظمة غير ربحية تعمل مع الشركات والحكومات لتحقيق أهداف الحياد الكربوني العالمي، سام كيمينز، "تحتاج الشركات إلى الاستثمار في معدات، مصنعًا تلو الآخر، وغالبًا ما تكون هذه المعدات مصممة خصيصًا".
التعامل مع التحديات
لكن إذا كان التعقيد يُعيق التقدم في مجال كفاءة الطاقة، فإن الذكاء الاصطناعي يُجيد التعامل معه.
ويقول كيمينز، "يُظهر الذكاء الاصطناعي كفاءة عالية عند التعامل مع بيانات معقدة وغير قابلة للتنبؤ".
ويوضح أنه في المصانع وغيرها من العمليات الصناعية الكبيرة، تُولّد أجهزة الاستشعار المُثبتة على كل قطعة من المعدات كميات هائلة من البيانات التي يُمكن للذكاء الاصطناعي استخدامها لتحديد أوجه القصور في المعدات أو العمليات.
عندما يتعلق الأمر بالبنية التحتية المادية والبيئة المبنية، يمكن دمج الذكاء الاصطناعي مع تقنية التوأم الرقمي، التي تُنشئ تمثيلات رقمية للعالم الحقيقي.
وبحسب تقرير لموقع IBM، تُعدّ تقنية التوأم الرقمي نسخةً افتراضيةً وفوريةً لجسمٍ أو عمليةٍ أو نظامٍ مادي، وهي تربط بين العالمين المادي والرقمي باستخدام أجهزة الاستشعار وأجهزة إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي لتغذية النموذج الافتراضي بالبيانات باستمرار، مما يسمح للمهندسين بمحاكاة السيناريوهات والتنبؤ بالأداء.
وطُوّرت تقنية التوأم الرقمي في ستينيات القرن الماضي لمحاكاة المركبات الفضائية التابعة لوكالة ناسا، وهي تحاكي آلية عمل منشأة بأكملها، مما يتيح اختبار التغييرات المحتملة افتراضيًا قبل إجراء أي تعديلات فعلية.
ويُوسّع الذكاء الاصطناعي نطاق هذه التقنية، إذ يُتيح إجراء تعديلات على كفاءة تصميمات المباني الجديدة أو صيانة وتشغيل المنشآت القائمة بوتيرة أسرع.
ويقول كيمينز: "يُجري الذكاء الاصطناعي الكثير من التفكير نيابةً عن الفريق، ويُقدّم اقتراحات، ويُقلّل من التخمين والتدخل البشري".
ووجدت إحدى الدراسات أن تطبيق نماذج التوأم الرقمي المدعومة بالذكاء الاصطناعي على منشآت الطاقة المتجددة يُمكن أن يُقلّل من وقت التوقف غير المخطط له بنسبة 35%، ويزيد من إنتاج الطاقة بنسبة 8.5%. كما حسّن دقة اكتشاف الأعطال بنسبة 98%، مع خفض تكاليف الطاقة بنسبة 26%.
وتشير دراسات أخرى إلى إمكانية تحقيق كفاءات مماثلة في قطاعات أخرى. في مجال الزراعة، على سبيل المثال، وجد الباحثون أن الذكاء الاصطناعي قادر على خفض استهلاك الطاقة المستخدمة في تدفئة البيوت الزجاجية بشكل كبير، والتنبؤ بأنماط استهلاك الطاقة في الري بناءً على عوامل مثل الضوء والحرارة، مما يسمح للمزارعين بتخطيط الري لتقليل استهلاك الطاقة.
لكن في المقابل، هناك الطاقة الهائلة التي يستهلكها الذكاء الاصطناعي نفسه. يقول كيمينز: "بالنظر إلى كمية الطاقة الهائلة التي يستهلكها الذكاء الاصطناعي، فسيتعين عليه بذل جهد كبير لتحسين كفاءة الطاقة".
كما أن الذكاء الاصطناعي وحده لن يقدم جميع الحلول، ويقول كيلودران-كاساس: "يرغب الكثيرون في استخدام الذكاء الاصطناعي في كل شيء، لكن يجب أن تكون الأنظمة جاهزة لذلك".