لهيب تحت «رماد ينغا».. توتر الحدود يحيي خلافات غينيا وسيراليون
توتر يحيي خلافات لم يطوها الزمن بين غينيا كوناكري وسيراليون وينبش نزاعا تاريخيا حول السيادة على قرية «ينغا» الواقعة على حدود الجارتين.
وفي قراءاتهم للتطورات، يرى خبراء سياسيون، في تصريحات متفرقة لـ"العين الإخبارية"، أن التصعيد الأخير بين البلدين على الحدود لا يمكن فصله عن النزاع التاريخي طويل الأمد في قرية "ينغا".
وبسبب هذه البلدة، لا تزال الخلافات حول السيادة والملكية القانونية للأرض تثير حدة التوتر بين البلدين منذ الحرب الأهلية في سيراليون (1991–2002).
وتطالب سيراليون بالسيادة على البلدة، فيما تعتبرها غينيا جزءا من أراضيها.
والثلاثاء، أعلنت حكومة سيراليون، في بيان رسمي، أن قوات من الجيش الغيني دخلت أراضيها واعتقلت عددا من عناصر قوة أمنية مشتركة تضم عسكريين وشرطة، بينهم ضابط، قبل أن تعود بهم إلى الأراضي الغينية.
وأوضحت أن العسكريين المحتجزين كانوا ضمن فريق مشترك من جنود وضباط، وأنهم كانوا مشغولين ببناء مركز حدودي ودعم العمليات الأمنية في المنطقة، مؤكدة أن عناصر الجيش الغيني هم من عبروا الحدود واعتقلوا عناصرهم، وسحبوا أسلحتهم.
من جانبها، قالت السلطات الغينية إن الجنود السيراليونيين "تجاوزوا الحدود بدون تصريح، وأقاموا خيمة ورفعوا علمهم على بعد 1.4 كم داخل الأراضي الغينية"، مما استدعى تدخل الجيش الغيني واعتقالهم، مع مصادرة أسلحتهم ومعداتهم وفتح تحقيق في الواقعة.
ويأتي هذا الحادث في سياق توترات حدودية مستمرة بين البلدين، والتي تعود جذورها إلى أكثر من عشرين عامًا حول قرية ينغا، المنطقة المعدنية المتنازع عليها.
وشهدت المنطقة الواقعة شمال شرق غينيا تحركات عسكرية متبادلة في أبريل/ نيسان ومايو/ أيار 2025، وأدى ذلك إلى توترات سابقة تدخلت فيها المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (الإيكواس) عبر بعثة تقنية لتهدئة الوضع.
كما يعكس الحادث الأخير في منطقة فالابا تصاعد التوترات اليومية على الحدود، وتأثر حركة السكان المحليين والزراعة والتجارة.
وتشارك كل من غينيا وسيراليون في عدة أطر إقليمية، من بينها "إيكواس" و"اتحاد نهر مانو" الذي يضم أيضًا ليبيريا وكوت ديفوار، كوسيلة لتنسيق التعاون الأمني والاقتصادي، إلا أن النزاع الحدودي يظل قائمًا ويشكل مصدر قلق مستمر للسلطات والسكان المحليين.
وفي تعليق على الحادث، دعا الجيش الغيني جميع القوات إلى "البقاء في حالة تأهب لحماية سلامة الأراضي والحفاظ على السيادة الوطنية"، فيما أكدت حكومة سيراليون أنها تسعى لحل النزاع "وديًا" وتجنب التصعيد العسكري.
"لا خطوط واضحة"
الدكتور بول سيمون هاندي، الباحث في معهد الدراسات الأمنية الأفريقي، يقول إن "العودة المتكررة للقوات الغينية إلى مناطق حدودية محسوبة ضمن أراضي سيراليون، ثم اتهام كل طرف الآخر بعبور الحدود بشكل غير مشروع، يعكس فشل المؤسسات الحدودية في ترسيم خطوط واضحة ومقبولة للطرفين".
ويعتبر هاندي، في حديثه لـ"العين الإخبارية"، أن ما حصل "يغذي التوتر ويحول كل حادثة إلى أزمة سياسية موسعة".
ويضيف أن الحادثة الأخيرة في منطقة "كاللييري" ليست حدثًا منفصلًا، بل تشكل جزءا من سلسلة طويلة من الاحتكاكات التي تؤثر على السكان المحليين والتجارة العابرة للحدود.
كما أشار إلى أنها "باتت تؤثر على الأمن الغذائي المحلي والتنمية الاقتصادية، خصوصًا مع تداخل التوترات العسكرية مع شبكات التجارة والزراعة في تلك المناطق الحدودية".
ووفق الباحث، فإن استمرار هذا التصعيد يمكن أن يؤدي إلى ضغوط على التعاون الإقليمي في غرب أفريقيا وعرقلة جهود "إيكواس" (المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا) لحفظ السلام والاستقرار.
وأشار إلى أن الحادثة الأخيرة على الحدود بين غينيا وسيراليون ليست مجرد مواجهة عابرة، بل تعد نتاج صراع مستمر منذ سنوات حول السيادة والموارد والهوية الوطنية في غرب أفريقيا.
"لهيب ينغا"
من جهته، يعتبر الدكتور جاكي سيليرز، الباحث في "معهد الدراسات الأمنية" الأفريقي، أن "الأزمة بين غينيا وسيراليون تكشف هشاشة إدارة النزاعات الحدودية بغرب أفريقيا في غياب آليات تنفيذ فعّالة لاتفاقيات سابقة".
وفي حديث لـ"العين الإخبارية"، يقول سيليرز وهو متخصص في السياسات الأمنية الأفريقية والتحليل الجيوسياسي للنزاعات ومعوقات الاستقرار في أفريقيا، إن النزاع حول أراضٍ مثل ينغا يعود جذوره إلى اتفاقيات استعمارية تركت حدودًا غير واضحة عرضتها لخلافات لاحقة.
وحذر من أن ذلك "جعل أي حادث عسكري يعد خطرًا على الاستقرار الإقليمي".
وبالنسبة له، فإن "الاحتكاكات المتجددة التي تحولت مؤخرًا إلى اعتقالات متبادلة واتهامات بعبور الحدود تعكس غياب الشفافية في التنسيق الأمني بين البلدين، وأنه لا يمكن معالجة هذه التوترات عبر التصعيد العسكري وحده".
وفي استشرافه لملامح الحل، قال إنه "يكمن في استئناف الحوار الدبلوماسي عبر إيكواس واتحاد نهر مانو والعمل على إعادة تفعيل اتفاقيات الحدود السابقة بأسلوب يضمن احترام السيادة ويعزز الثقة المتبادلة".
ويرى الخبير أن ما تقدم ضروري "حتى لا تتحول الأزمة الصغيرة إلى نزاع عسكري مفتوح يمكن أن يهدد السلام والأمن في كامل منطقة غرب أفريقيا".