منوعات

الملل.. صديقك "الإيجابي" رغم سلبياته

الثلاثاء 2018.1.16 01:55 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 96قراءة
  • 0 تعليق
الملل صديق وفي للإنسان أحياناً

الملل صديق وفي للإنسان أحياناً

أحيانا قد يكون الراتب مغريا، والوظيفة مرموقة، والزملاء لطفاء، لكن الرغبة في ترك العمل تكون ملحة رغم تلك الإيجابيات، وذلك هربا من "الروتين" والملل من تكرار واجبات اعتيادية بشكل مستمر.

لكن الأبحاث العلمية الحديثة أثبتت أن الشعور بالملل بقدر ما يعتبر عاملا سلبيا، فهو في نفس الوقت يمكن اعتباره عاملا إيجابيا يحفز "الطاقة الإبداعية" لدى الفرد.

وأجرى فريق من علماء النفس بجامعات يورك وجويلف ووترلو بكندا مراجعات شاملة لدراسات كثيرة حول الملل، استخلصوا منها تعريفا محددا لهذا الشعور، وهو: اكتساب خبرة القيام ببعض المهام، ولكن مع العجز عن تطويرها في نفس الوقت.

ويقول الخبير النفسي جون إيستوود الباحث بجامعة يورك: "رغبة الانسان في التواصل مع العالم وتطوير أي نشاط ذهني تستلزم قدرا من الاهتمام، لكن عندما تنعدم هذه الرغبة ويغيب الاهتمام، تسوء الأمور وينبعث شعور بالفشل والعجز، وهذا هو تعريف الملل".

ويوضح إيستوود في بحث خاص به أن الإنسان يشعر بالملل حين يفقد القدرة على التواصل مع مشاعره وأحاسيسه، وعندما تقتضي الحاجة العثور على محفزات خارجية من أجل القيام بنشاط يرضيه، حين يدرك وجود مشكلة في الاهتمام بهذا النشاط، ويلقي باللوم على البيئة المحيطة، ويتفوه بعبارات معتادة مثل (لا يوجد شيء أقوم به).

وعلى الرغم من سلبية هذا الشعور وعدم استحسانه، فإنه بحسب دراسة بريطانية صادرة من جامعة لانكشير، فإن الملل ربما يساعد على تنمية الطاقة الإبداعية لدى الموظف، وذلك بعد تجارب خضع لها 40 متطوعا، أسندت لهم مهمة نسخ أرقام دليل هاتف خلال 15 دقيقة، وبعدها مباشرة طلب منهم التفكير في استخدامات مختلفة لكوبين من البلاستيك.

وكشفت التجربة أن المتطوعين عرضوا أفكارا خلاقة للاستفادة من الكوبين بعد القيام بهذا النشاط المرهق، حيث منحهم هذا العمل الروتيني قدرة على التخيل والابداع.

وفي تجربة ثانية، شارك 30 شخصا لمدة 15 دقيقة في كتابة ونسخ أرقام هاتفية، وفي الوقت ذاته قامت مجموعة أخرى بقراءة نفس الأرقام، فتبين أن المجموعة الثانية (القراء) باتوا أكثر إبداعا من مجموعة (الكتّاب).

واستشف الخبراء البريطانيون من تلك التجربة أن الأنشطة الأكثر سلبية ومللاً مثل القراءة أو حضور الاجتماعات تساعد الإنسان على توسيع مخيلته وزيادة قدراته الإبداعية.

وتوضح صاحبة الدراسة، عالمة النفس ساندي مان، أنه لطالما تم النظر إلى الملل في العمل على أنه أمر يجب القضاء عليه، لكن يجب ألا ينظر إليه بنظرة سلبية، والاستفادة منه في التحلي بالإبداع.

ومن ناحية أخرى، ينصح أطباء الأعصاب المرضى الذين يعانون الصداع النصفي المزمن، وهو مرض يصيب ما بين 9 و13% من سكان العالم بحسب منظمة الصحة العالمية، بعيش حياة "مملة".

وفي هذا السياق تشير طبيبة الأعصاب الإسبانية سونيا سانتوس إلى أن الصداع النصفي مرض ناجم عن التحلي بنمط حياة معتاد، والتغييرات التي تطرأ على هذا الروتين، مثل تغيير مواعيد الطعام والعمل والنوم، ويقاوم هذا المرض اتباع أسلوب حياة ممل.

وتضيف سونيا أن الصداع النصفي مرض مزمن، لذا يتوجب على المصابين به تجنب التغييرات الطارئة على حياتهم الروتينية، والسعي لجعلها حياة أكثر استقرارا ومللا، مشيرة إلى الإصابة بهذا المرض تنتشر في الصيف بالتزامن مع كثرة الأنشطة والحفلات والعطلات.

وبعيدا عن الصداع النصفي، يبدو أن الملل له فوائد لدى الأطفال أيضا، حيث أجرت عالمة النفس جلوريا دييز وابنتها عالمة التربية باتريسيا دي لا سييرا دييز دراسة بعنوان "الأطفال يحتاجون إلى الملل"، توضحان فيها أنه "من العادي أن يملك أطفال اليوم أجندة يومية من الأنشطة مثل البالغين، مما يؤثر على تنشيط حس الإبداع لديهم".

وتبين دي لا سييرا "أنشطة وألعاب الأطفال تنمي مهارات الاختراع والتجديد وابتكار الأفكار وإيجاد حلول للمشكلات، والألعاب هي أفضل طريقة لتوعية الأطفال وتطوير مواهبهم، وتفسح لهم مجالا للتعبير عن مشكلاتهم ومخاوفهم".

لكن في الوقت الحالي لا يملك الأطفال مساحات لتنمية مهاراتهم الإبداعية، حيث بات يومهم مشغولا بأكمله دون وجود فراغ يشعرهم بالملل والرغبة في التفكير، بحسب ما ترى عالمة التربية.

وتطالب دي لا سييرا أولياء الأمور بـ"إتاحة خيار الشعور بالملل لأطفالهم، وتحفيزهم على إيجاد حلول للتخلص من هذا الشعور، حيث سيضطرون للاعتماد على أفضل حليفين: الإبداع والتخيل، وهو ما يغنيهم أيضا عن الشعور بالتبعية والضغط الذي يفرضه عليهم الآباء والأشخاص الكبار المحيطون بهم".

ومن جانبها تعتبر جلوريا دييز مؤلفة كتاب "كفى..القلب يحاكم العقل" أن الأشخاص البالغين يجب ألا يخافوا من الملل، وألا يرهقوا أنفسهم بالقيام بأنشطة كثيرة للتخلص منه، لأن الملل قد يبعث للإنسان عوامل إيجابية متعلقة بتحفيز الشق الفني بعقله.

تعليقات